سورة الفرقان
الجزء ١١ · صفحة ٤٨٧أَحَدًا) (الجن:18).
ب) - الصّفة السّابعة: التّنزه عن قتل النّفس.
(وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ التِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ): القتل هو أول اعتداء من الإنسان على أخيه الإنسان بدافع الغيرة والحسد، فقد قصّ الله علينا أحداث هذه الجريمة الأولى التي وقعت بين بني آدم في سورة المائدة، وربط الله تعالى بتلك الجريمة الشّنعاء قوله: (مِنَ اَجْلِ ذَالِكَ كَتَبْنَا عَلَىا بَنِي إِسْرَآءِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساَم بِغَيْرِ نَفْسٍ اَوْ فَسَادٍ فِي الاَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنَ اَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) (المائدة:32).
فبيّن حكمه الشديد في مثل هذه الجريمة في تشريع التّوراة، وما من شك في أن الشّرائع كلها لم تقف موقفا سلبّيا من هذه الجريمة، بل عرفت ألوانا من التّشريع الجنائي يتفاوت بين اللّين والقسوة وبين القوة والضّعف تبعا لتصوراتها وإيديولوجياتها.
وصيغة النّهي الصّريح لقتل النّفس جاءت في سورتي الأنعام والإسراء بهذا التّعبير: (وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ التِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ) (الأنعام:151 - الإسراء:33). وقد جال الإمام محمود شلتوت جولة صادقة في فك الثّالوث المكوّن لأجزاء الجملة وتوضيح معناه فقال بعد أن فسّر قوله تعالى: (التِي حَرَّمَ اللهُ) على وجهين:
"التّحريم التّشريعي الذي نزلت به الشّرائع السّابقة، والتّحريم بمقتضى العصمة الطّبيعية في كونه كائنا عاقلا عاملا في الحياة وخليفة الله في الأرض". ثم قال: "وهذا التّقرير في معنى التّحريم المذكور، يرشد إرشادا واضحا إلى أساس ما يقره العلماء من أن الحرمة هي الأصل في النّفوس لا تباح إلا بحق طارئ على ذاتها قد اقترفته بطغيانها وهواها، وأنها في ذلك بخلاف الأموال فإن الأصل فيها هو الإباحة". (1)
قلت: وقد حدّدت نصوص القرآن والسّنة وإجماع العلماء ذلك الحقّ الشّرعي الطارئ الذي يحلّ به دم امرئ مسلم.
وفي القصاص من القاتل عمدا حياة كما قال تعالى: (وَلَكُمْ فِي القِصَاصِ حَيَاةٌ يَآ أُوْلِي الاَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة:179). وذلك بردع المجرم؛ لأنه عضو مريض يجب أن يستأصل من جسم المجتمع ضمانا لأمنه وعافيته، غير أن الإسلام وَكَلَ تنفيذ الحدود إلى إمام المسلمين حسما للفوضى والانتقامات، أما الجزاء الأخرويّ فقد قال تعالى في سورة النّساء: (وَمَنْ يَّقْتُلْ مُومِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) (93).
ح) - الصّفة الثامنة: التنزه عن الزّنا.
(وَلاَ يَزْنُونَ وَمَنْ يَّفْعَلْ ذَالِكَ يَلْقَ أَثَامًا، يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا): الزّنا هو الاتصال غير الشّرعيّ بين رجل وامرأة، وبما أن ذلك الاتصال لا يتمّ عادة إلا بعد مقدمات في إثارة الرّغبة الجنسية تتحطم معها الحواجز الاجتماعية، فإن النّصّ الصّريح في تحريم فاحشة الزّنا جاء في قوله تعالى في سورة الإسراء: (وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَىآ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلاً) (32). كما ورد بصيغة التّعميم في سورة الأنعام بقوله تعالى: (وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ) (151). وورد في الآية الكريمة من سورة الفرقان بوصف الأخيار: (وَلاَ يَزْنُونَ)، وكذا في سورتي المؤمنون والمعارج: (وَالذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ، إِلاَّ عَلَىآ أَزْوَاجِهِمُ أَوْ مَا مَلَكَتَ اَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ) (المؤمنون:5 - 6) - (المعارج:29 - 30).