سورة الفرقان
الجزء ١١ · صفحة ٤٨٩تلك الفواحش التي كانت سببا في غضب الله عليها واستئصالها من الوجود بعد إقامة الحجة عليها، ومن عجيب أمر الحضارات الفاجرة اليوم أنها تدعم ارتكاب تلك الفواحش بسنّ قوانين تجيز ممارستها إلى حدّ القران الرّسمي بين الرّجلين أو المرأتين إذا ارتضيا ذلك بدعوى الحرية الشّخصية، وصدق الله العظيم إذ قال: (أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَءَاهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَّشَآءُ وَيَهْدِي مَنْ يَّشَآءُ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ اِنَّ اللهَ عَلِيمُم بِمَا يَصْنَعُونَ) (فاطر:8).
وعلى شناعة تلك الفواحش أو الجرائم فإن الله تعالى يفتح باب التّوبة لمرتكبيها تمشيا مع أسلوب القرآن في التّرغيب والتّرهيب والوعد والوعيد، فقال جلّ من قائل: (اِلاَّ مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا، وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلىَ اللهِ مَتَابًا).
بعد ذكر العذاب المضاعف لمرتكبي الجرائم الثّلاث: الشّرك والقتل والزّنا، سواء من ارتكبها جملة، أو ارتكب إحداها، فتح الله باب التّوبة رحمة منه وفضلا، فكان هذا استثناء من العموم السّابق الذي دلّت عليه "مَن" الشّرطية في قوله تعالى: (وَمَنْ يَّفْعَلْ ذَالِكَ يَلْقَ أَثَامًا).
وقيل في سبب نزول هذه الآية ما رواه الإمام مسلم عن ابن عباس: "أن ناسا من أهل الشّرك قتلوا فأكثروا، وزنوا فأكثروا، فأتوا محمدا صلى الله عليه وسلم فقالوا: "إن الذي تقول وتدعو لحسن، لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة؟، فنزلت: (وَالذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا -اخَرَ) (الفرقان:68).
قلت: وفي معنى هذا الحديث تنزل قوله تعالى في سورة الزّمر: (قُلْ يَاعِبَادِي الذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىآ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا اِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَأَنِيبُوا إِلَىا رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَنْ يَّاتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ، وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَنْ يَّاتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ) (53 - 55).
ويستدلّ من الحديث الذي رواه ابن عباس أن المقصود من التّوبة الأولى هي لأولئك الذين طرحوا إشكالية ماضيهم في الكفر وضلالاته لرسول الله، وهم مشفقون على أنفسهم بما ارتكبوه من تلك الموبقات، فكانت كل من آيتي الفرقان والزّمر بمثابة البشرى لهؤلاء بأن الله تعالى لا يؤاخذ ولا يعذب قبل أن يقيم الحجة على عباده برسله وكتبه: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىا نَبْعَثَ رَسُولاً) (الإسراء:15).
والإسلام جبّ لما قبله كما قال رسول الله، ولعلّ في تقديم التّوبة على ذكر الإيمان والعمل الصّالح ما يؤكد هذا المعنى؛ لأن التّوبة من الكفر وأرجاسه إنما تعني الدّخول في الإسلام، وهو يقتضي الإيمان والعمل الصّالح، ويتفرع عن هذه التّوبة قوله تعالى: (فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ) (الفرقان:70).
اختلف المفسّرون في بيان المراد من تبديل السّيئات بالحسنات على وجوه، ذكرها كل من الإمامين الرّازي والقرطبيّ، وقد أجاد الشّيخ المراغي تلخيص تلك الأوجه بقوله: "لكن من رجع عن هذه الآثام مع إيمانه وعمله الصّالحات، فأولئك يمحو الله سوابق معاصيه بالتّوبة، ويثبت له لواحق طاعته" (1).
قلت: إن هذا التّفسير مطابق لما ذهب إليه الزّجاج إذ قال: "ليس يجعل مكان السّيئة الحسنة، ولكن يجعل مكان السّيئة التّوبة، والحسنة مع التّوبة". ويتوافق الإمام الشّعراوي مع هذا التّوجيه لمعنى الآية إذ قال: "ليس المراد أن السّيئة تبدّل فتصير حسنة مباشرة، إنما يرفع العبد السّيئة ويحلّ محلّها التّوبة، وبعد التّوبة يضع الله