سورة الفرقان
الجزء ١١ · صفحة ٤٩٠له الحسنة" (2).
قوله تعالى: (وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلىَ اللهِ مَتَابًا): فيه للمسفرين أقوال -أيضا- في بيان فائدة تكرير التّوبة:
أ) - يرى ابن عباس أنها للتفريق بين أصناف المشركين الذين أسلموا، فالآية الأولى جاءت في حق الذين أسلموا وقد قتلوا وزنوا في جاهليتهم، والثّانية في حق الذين أسلموا ولم يكونوا قد فعلوا ذلك في جاهليتهم، فهؤلاء مفضلون عند الله على الصّنف الأول.
ب) - قال القفال: يحتمل أن تكون الآية الأولى فيمن تاب من المشركين، والثّانية لمن تاب من المسلمين.
ج) - ويحتمل أن المقصود من الآية الثّانية بيان التّوبة النّصوح، وأنها هي المعتبرة والمقبولة عند الله، وذلك بدلالة التّأكيد بالمفعول المطلق، ومعنى التّجدّد والاستمرار باستعمال الفعل المضارع: (يَتُوبُ)، وقوله: (إِلىَ اللهِ) أي الرّجوع الحقيقي إلى حكم الله وثوابه.
ويقول الشّيخ المراغي: "وفي هذا تعميم لقبول التّوبة مع جميع المعاصي، بعد ذكر قبولها من أمهاتها". (1) جعلنا الله من التّوابين الصّالحين.
ط) - الصّفة التّاسعة: التّنزّه عن الزّور واللّغو.
(وَالذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّواْ كِرَامًا):
للإيمان ركائز لا يقوم إلا عليها، وهي ما تقتضيه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والإيمان بالقدر خيره وشرّه، وللبناء الإيماني محسنات وكمالات تزيده عظمة وشموخا، والمؤمنون يتفاوتون في التّحلّي بتلك الكمالات، ومن كمال الإيمان أن يتخلى المؤمن عما يشينه وأن يبتعد عن مواطن الشّبه فلا يتعرّض لسفاهة الغاوين.
وعباد الرّحمن في مستواهم الإيماني والخلقي لا يحضرون مجالس الباطل بكل صنوفه وألوانه من كل ما ألفه المشركون في جاهليتهم من ضروب الزّور سواء في معابدهم أو أعيادهم أو مجالسهم، ومن ثمّ لا يتصور أن يدلوا بشهادتهم كذبا وزورا لتفويت حق على أحد، أو إقراره لأحد ليس له، وفي كلتا الحالتين من شهادة الزّور أو مشاهدته ينزهون أنفسهم عن أحوال أهل الضّلال والشّرك. وقدوتهم في ذلك رسول الله في دعوته الحكيمة، وهو يؤمّ مجالس القوم داعيا مرشدا، والله يأمره أن يتجنّبها عندما يخوضون في الباطل والزّور، فقال تعالى في سورة الأنعام: (وَإِذَا رَأَيْتَ الذِينَ يَخُوضُونَ فِي ءَايَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىا يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطاَنُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَىا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمينَ) (68).
وفي سورة النّساء يدعو الله عباده المؤمنين إلى تجنب تلك المجالس، تسفيها لأهلها، واحترازا من غلبة الهوى وخطر التّقليد، فقال تعالى: (وَقَدْ نُزِّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنِ اِذَا سَمِعْتُمُ ءَايَاتِ اللهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّىا يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمُ إِذًا مِّثْلُهُمُ إِنَّ اللهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا) (140).
وأما الزّور بمعنى الشّهادة فمعناه الكذب والافتراء، وهو ما يتنافى مع الإيمان الصّحيح والله تعالى يقول: (إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ) (غافر:28).
وقرن الكذب بالكفر في قوله: (إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ)