نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الفرقان

الجزء ١١ · صفحة ٤٩٢

ومن طبيعة الإنسان أنه يغفل وينسى، وقد تصرفه الشّواغل الدّنيوية عن التّأمّل الرّوحيّ والتّألق الوجداني، فيترصّده الشّيطان في حين غفلته ليضله عن سواء السّبيل، غير أن هؤلاء الأبرار لهم من قلوبهم الواعية، ومن ضمائرهم اليقظة حارس التّذكر للتنبيه على الخطر الدّاهم من الشّيطان وأعوانه، يقول تعالى: (اِنَّ الذِينَ اتَّقَوِا اِذَا مَسَّهُمْ طَآئِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ) (الأعراف:201).

وفي الآية الكريمة نفي لصلة الموصول، فهي نفي لحال أن يكونوا صمّا وعميانا عند سماعهم للتذكير بآيات الله، وليس نفيا لفعل الخرور الذي جيء به لتوطئة الكلام، كقولهم: قعد فلان يشتمني، أو قام يبكي، وأنت تقصد الإخبار بحال الشّتم والبكاء، إذ ليس ثمت قيام ولا قعود.

وفي التّعبير تعريض بالمشركين الذين يعرضون عن سماع القرآن، والله تعالى يصوّر حالتهم في سورة فصلت فيقول على لسانهم: (وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ وَفِي ءَاذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنم بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلِ اِنَّنَا عَامِلُونَ) (فصلت: 5).

وكذلك ما جاء في التّشبيه البليغ من سورة المدثر: (فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ، كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفَرَةٌ) (49 - 50).

وبصيغة الإثبات جاءت صفة الخرور لعباد الرّحمن إذا سمعوا آيات الرّحمن تتلى عليهم فيكونون في حالة من الخشوع والتّواجد بحيث لا يتمالكون من البكاء وهم ساجدون لربهم فقال تعالى في سورة الإسراء: (وَيَخِرُّونَ لِلاَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا) (109).

وقال في سورة السّجدة: (إِنَّمَا يُومِنُ بِئَايَاتِنَا الذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ) (15).

٣٬٨٣٢ / ٦٬٧٦٧