سورة الفرقان
الجزء ١١ · صفحة ٤٩٦كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا).
بعد انتهاء تلك الجولة في بيان صفات عباد الرّحمن وتعداد مزاياهم بيّن الله تعالى في خاتمة السّورة ما ينتظرهم من جزاء، فصدّر الآية باسم الإشارة: (اُوْلَئِكَ)، إلى كل ما تقدم، وهو خبر عن قوله تعالى: (وَعِبَادُ الرَّحمن)، والصّفات المذكورة نعوت معطوف بعضها على بعض.
ومجيء صفة الابتهال إلى الله في مؤخرة التّرتيب هو للدّلالة على أن سعي الإنسان ومجاهدته في التّحلّي بتلك الصّفات، لا بدّ فيها من الاستعانة بالله وطلب توفيقه؛ لأنه لا حول عن معاصي الله إلا بعصمة من الله، ولا قوة على طاعة الله إلا بعون من الله، فهؤلاء الأبرار قد أخذوا بسنة الحياة بالأخذ بالأسباب، ثم بالالتجاء إلى الله في تذليل الصّعاب.
(اُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُواْ): التّعبير بالغرفة في تقرير الجزاء يعني أنهم في الدّرجات العلى من الجنة، "أل" فيها للجنس لقوله تعالى: (وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ ءَامِنُونَ) (سبأ:37).
وقد حدّد الله منازل الجنة في قوله: (لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الاَنْهَارُ) (الزّمر:20). وخصّص أعلى مراتبها للذين أنعم الله عليهم من النّبيين والصّديقين والشّهداء والصّالحين.
وذكر الله صفة الصّبر سببا لذلك الجزاء ليبين أنهم مستحقون لذلك، ولم يذكر متعلق الصّبر ليشمل كل الأنواع المطلوبة في مجال الطّاعات، وأن الله يزيدهم إكراما بالتّحية والسّلام يلقاهم بهما الله تعالى أو تلقاهم الملائكة، وكلاهما وارد في آيات أخرى كقوله تعالى:
أ) - (تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلاَمٌ وَأَعَدَّ لَهُمُ أَجْرًا كَرِيمًا) (الأحزاب:44).