سورة الشّعراء
الجزء ١٣ · صفحة ٤٠إنها الصّرخة العلنية من إبراهيم بوحدانية الله في تحدّ صارخ لقومه ولأجدادهم، ووصفه لهم بالأقدمية، للتّأكيد على توغّل الباطل في أجيالهم المتلاحقة؛ لأنّ الباطل لا يؤصّله طول المدى وتوارث الأجيال لضلالاته، فإبراهيم -وهو يتعجّب من أحوال قومه- يعلن عداوته لتلك الأصنام، ولكنّه استثنى من تلك العداوة (رَبَّ الْعَالَمِينَ) على حذف مضاف بتقدير: إلا عبادة ربّ العالمين، وهو على الأرجح استثناء متّصل على اعتبار أن يكون في أولئك الآباء الأقدمين من يكون قد عبد الله بحقّ فيشمله ذلك الاستثناء، ومن خلال الأوصاف التي أضفاها إبراهيم على ربّه، ومن خلال موقفه القويّ في التّحدّي لقومه، تبدو قوة إيمانه بربه ويقينه الرّاسخ في رعايته له وحفظه من كل سوء فقال: (الذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ، وَالذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ، وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ، وَالذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ، وَالذِي أَطْمَعُ أَنْ يَّغْفِرَ ليِ خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ).
وصف ربّ العالمين بالموصول للدّلالة على استحقاق الموصوف لتلك الصّفات، والخلق هو الإيجاد من العدم، تفرّعت عليه الهداية التي جاءت بصيغة المضارع خبرا لضمير: (هُوَ) لتدلّ على تخصّصه تعالى وحده بالهداية دون تلك المعبودات الباطلة، وقد رتّب الهداية على الخلق؛ لأنّ ذلك هو المنّة العظمى من الخالق لكلّ مخلوقاته، سيما لدى الإنسان العاقل، مصداقا لقوله تعالى:
أ) - (الذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) (طه:50).
ب) - (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الاَعْلَى، الذِي خَلَقَ فَسَوَّى، وَالذِي قَدَّرَ فَهَدَى) (الأعلى: 1 - 3).
وبما أن الإنسان مختار في ما يريده ويفعله، فإنّه تعالى قد هيّأ له الأسباب لسلوك الطّريق الذي يختاره في حياته إن خيرا أو شرّا، ولذلك جاء قوله تعالى بالنّسبة للإنسان: