سورة الشّعراء
الجزء ١٣ · صفحة ٥٥إنه تهديد صريح مؤكّد، يقطعون به حبل الجدال، وقد أعوزتهم الحجّة فلجأوا إلى التّهديد المادّي كما يفعله الطّغاة في كلّ زمان ومكان، واختاروا الرّجم بالحجارة للقتل، وهو أقسى الوسائل في تنفيذ حدّ من حدود الله في حقّ الزّاني المحصن، وقلّما تثبت الشّهادة فيه، أو إقرار الجاني على نفسه، وهنا يلتجئ نوح إلى ربّه لينصره على قومه، ووكل إلى ربّه وسيلة ذلك تأدّبا مع الله، فلم يزد أن بث شكواه لربه: (رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ)، تمهيدا لدعائه الحار: (فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا)، طلب أن يفصل الله بينه وبينهم بحكمه، ثم وكل الأمر في ذلك إليه ليجازيهم بما يستحقّون، ولكنّه في كلّ الأحوال طلب أن ينجيه ومن معه من المؤمنين، وهنا يطوي النصّ ما فصّله في سورة "هود" في أمر الله بإعداد السّفينة وجمعه لأزواج كلّ الأصناف الحيوانية لحملها معه، ثم ما كان من سخرية قومه كلما مرّوا به وهو يواصل العمل في صنع السّفينة … إلخ.
فنجد النصّ هنا ينتقل إلى الاستجابة الفورية لدعاء نوح بإنجائه ومن معه على السّفينة المملوءة بمن معه من المؤمنين وبالأزواج كما أمره الله، وعطف الإغراق لمن بقي خارج ظهر السّفينة، عطف بـ"ثم" للدلالة على التّفاوت بين الإنجاء والإهلاك تفاوتا في الزّمان والمكان وتفاوتا في العاقبة والمصير.
وهكذا يسدل السّتار على قصة نوح بالفصل العادل في معركة الإيمان والكفر، ويليه التّعقيب بالآيتين السّابقتين: (إِنَّ فِي ذَالِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّومِنينَ، وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ)، تأتي تلك النّهاية الأليمة للمكذّبين وهم الأكثرية من قوم نوح، تأتي بعد دعوة من رسولهم طويلة الأمد تمتدّ إلى ما يقرب من عشرة قرون، وبعد ذلك يقول المولى: (وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ) (هود:40). فكيف بك أيها الرّسول تبخع نفسك أن لا يؤمن بك قومك؟، والله أعلم.
قصّة هود مع قومه عاد