سورة النّمل
الجزء ١٣ · صفحة ١٨١وقوله تعالى: (وَكُلٌّ -اتُوهُ دَاخِرِينَ)، أي صاغرين أذلاّء منقادين لله، إذ سلبت عنهم الحرّية والاختيار، فليس لهم تحكّم حتى على جوارحهم وحواسّهم كما قال تعالى: (الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (يس:65). وعند نفخة الفزع يضطرب النّظام الكوني كما فصّل الله مشاهده المرّوعة في كثير من الآيات، وقال في شأن الأرض: (يَوْمَ تُبَدَّلُ الاَرْضُ غَيْرَ الاَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ) (إبراهيم:48).
وأعظم خلق نراه على اليابسة هي الجبال، وقد امتن الله علينا أن جعلها رواسي للأرض كالأوتاد حتى لا تميد بنا، ثمّ إنّه تعالى قد تفنّن في وصفها كيف يعتريها الفناء عند قيام السّاعة فشبّهها تارة بالعهن المنفوش، وتارة بالكثيب المهيل، وعبّر عن تدميرها بالنفش وبالتسيير … إلخ، مما يرجّح -والله أعلم- أن هذه الآية الكريمة تندرج هي الأخرى في ذلك الإطار الوصفي لمشاهد القيامة للتذكير بأهوال ذلك اليوم العظيم، كيف يسيّر الله تلك الجبال الضّخمة كما يسيّر السّحاب، وكلّ ذلك من بديع صنع الله.
وهناك من المفسّرين الجدد من تمسك بهذه الآية من قوله تعالى: (صُنْعَ اللهِ الذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ)، فقال: هي إشارة إلى بديع صنع الله في الدّنيا بجعل الأرض تدور بكلّ ما عليها حول نفسها وحول الشّمس بسرعة فائقة فلا نحسّ معها بحركات الجبال. وقال: الدّليل على ذلك قوله: (تَحْسِبُهَا جَامِدَةً)، والظّن لا يكون إلاّ في الدّنيا بحسب أفهامنا القاصرة، وأمور الآخرة كلها يقينية، وليس في الآية ما يعارض هذا الاحتمال إذا ما أخذناها خارجة عن السّياق، ثم إن إتقان الصّنع عند الله شامل لعالمي الغيب والشّهادة فلا تعارض.