نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة القصص

الجزء ١٣ · صفحة ١٩٩

ها هو ذا موسى بعناية الله يتقلب بين يدي آل فرعون وهم يحارون في أمره ويقترحون على فرعون أن يقتله لشكهم أنّه من بني إسرائيل، فتتدخل القدرة الإلهية لتندى القلوب القاسية بالمحبّة للوليد والله يقول: (وأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِيَ) (طه:39). فقد أصبح الوليد محبوبا لدى كلّ من شاهده، سيما لدى القلب الحاني لامرأة فرعون إذ جعلها الله سببا لنجاة الوليد، عندما روّضت قلب زوجها لاستبقائه حيّا بأن اعتبرته قرّة عين لها وله، وفي هذا التّعبير العربي منتهى السّرور والفرح، أي بمعنى القرّ بالدّمعة الباردة، وتسمى امرأة فرعون: "آسية"، وهي مرضيّ عنها من الله بنصّ القرآن في سورة التّحريم.

وقولها: (لاَ تَقْتُلُوهُ) تخاطب به جماعة فرعون الذين حاولوا قتله في أول الأمر، وللزوجة ضغط ودلال على زوجها مهما يكن طاغية جبّارا، سيما وآسية لم تلد من فرعون ولدا ذكرا يكون وليّ عهده في ملكه، ولذلك أردفت على شدة سرورها بالولد فقالت: (عَسَى أَنْ يَّنفَعَنَآ أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا)، فجعلت علّة إبقائه حيّا ما يرجى منه من نفع في خدمتهما وأن يكون لهم كالولد، ولكن اختيار فعل الرّجاء: (عَسَى) يجعلهم لا يشعرون بمصير ذلك الولد معهم بأن يصير عدوّا لهم.

تلك كانت عناية الله بالوليد وقد اخترق أسوار قصر فرعون، كما اخترقت محبته شفاف قلب امرأته بتدبير الله وقدرته؟ فكيف كانت وضعية الأمّ الولهى وقد ألقت بفلذة كبدها في أمواج اليمّ؟.

قال تعالى: (وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا اِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلآَ أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُومِنِينَ).

"أصبح" بمعنى صار فارغا، وهو فراغ مجازي، مما يدلّ أنّه كان قبل ذلك ممتلأ، ويبقى السّؤال، فرغ الفؤاد من ماذا؟، والتّعبير بالفؤاد للدّلالة على معنى العقل الذي يتحكّم في حركات الجسد، ولتحديد متعلق الفراغ اختلف المفسّرون:

٤٬٠٤٣ / ٦٬٧٦٧