نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة القصص

الجزء ١٣ · صفحة ٢٢٩

وكنموذج لطاعة أوامره وبناء على فهمه المختلّ لدعوة موسى بأنّ الرّبّ الذي يدعو إليه مقرّه السّماء، فرّع على بيانه الأوّل أمره لوزيره هامان أن يبني له صرحا عاليا يمتدّ إلى السّماء ليرى منه الإله الذي يدعو إليه موسى، وذلك منه تلبيس على قومه بأسلوب تهكّمي، حتى إذا لم يجد شيئا -والله تعالى يجلّ عن المكان والزّمان- استطاع بذلك أن يريّم على أتباعه بأنّه قد اجتهد في معرفة الحقيقة، فأثبت الواقع أن الإله المزعوم لموسى غير موجود، وبالتّالي يحكم عليه بالكذب والافتراء.

ويلاحظ في الأمر الفرعوني أنّه اقتصر على إحضار مواد البناء لذلك الصّرح، وهو ما يتمثّل في طبخ الطّين بالنّار لصناعة الآجر الذي امتازت به الحضارة الفرعونية، ولم يتعرّض النصّ إلى بنائه بالفعل، ولا يمكن أن يكون أحد الأهرامات الباقية إلى اليوم؛ لأنّها من صخور مرصوصة عظيمة، وأيّا كان الواقع التّاريخي في هذا المشهد، فإنّ المقصود من ورائه هو ذلك الأسلوب من الترييم والتّلبيس على الأتباع لاستبقاء الهيبة والتّعظيم للطاغية في نفوسهم، ولكلّ الطغاة أساليبهم في تحقيق ذلك، وإن اختلفت في أنواعها.

ثم قال تعالى: (وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الاَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمُ إِلَيْنَا لاَ يُرْجَعُونَ).

وأمام نصاعة الحقّ وثبات أهله عليه مهما كلّفهم ذلك من ثمن، فما لفرعون غير الاستكبار والعناد، وهو لا يملك أن يصل إلى إله موسى، وإذ هو لا يصدّق بوجوده، فكيف يصدّق أنّه راجع إليه ليوم الحساب، وبالتّالي لا يهون على أمثاله ممّن لا يؤمنون بالرّجوع إلى الله أن يطغوا وأن يعيثوا في الأرض فسادا، وفي ذلك تعريض بالمشركين المنكرين للبعث، فكيف تكون عاقبة هؤلاء؟.

٤٬٠٧٣ / ٦٬٧٦٧