نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة القصص

الجزء ١٣ · صفحة ٢٥٣

وقد سارع الرّؤساء المتبوعون إلى الإجابة لأنّهم علموا أنّ السّؤال موجّه إليهم؛ ولأنهم المحرّضون على الكفر والشّرك، ومضمون الإجابة هو قولهم: (رَبَّنَا هَؤُلآَءِ الذِينَ أَغْوَيْنَآ أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا)، واختيارهم لصفة "الرّبّ" في ذلك الموقف الرّهيب واعترافهم بربوبية الخالق هو للاستعطاف والتحنان، إذ أرادوا التّنصّل من تهمة إغواء متبوعيهم على الشّرك، وعلى الاحتمالين المذكورين في تخريج مبنى الجملة، فإنّ المعنى كما يلاحظ فيه التّوكيد اللّفظي لفعل: (أَغْوَيْنَا)، ذلك بأنهم اعترفوا بإغوائهم لغيرهم، فأشاروا إليهم ليتميّزوا عن غيرهم، للتقليل من جرمهم. ثم أضافوا قولهم: (أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا)، والتّشبيه يفيد التّسوية بين غواية التّابعين وغواية المتبوعين، أي كل فريق منّا تهيّأت له أسباب الغواية فغوى من تلقاء نفسه دونما إجبار ولا إكراه، فكلّ منّا يتحمّل مسؤوليته، وهكذا يلتمسون المبرّرات لجريمتهم عساهم يتخففون من التّبعة، ولذلك أضافوا قولهم: (تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ)، والتبرؤ هو التّنصّل من الذّنب، فهم يتبرؤون من متبوعيهم، وبذلك يتنصّلون من دعوى كونهم شركاء من دون الله بدليل قولهم: (مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ)، أي ما عبدنا هؤلاء ولكن عبدوا أهواءهم، ولهذه الآية نظائر في القرآن الكريم:

أ) - (وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ ءَالِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا، كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا) (مريم:81 - 82).

ب) - (إِذْ تَبَرَّأَ الذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الاَسْبَابُ) (البقرة:166).

وينتهي مشهد المخازاة بين المتبوعين والتّابعين من المشركين، وقد عرف كلّ فريق مسؤوليته، فيوجّه إليهم الأمر مرّة أخرى لتيئيسهم من أيّ نصرة أو نجاة.

٤٬٠٩٧ / ٦٬٧٦٧