سورة القصص
الجزء ١٣ · صفحة ٢٧٥انتهت قصّة قارون، وقد صوّرت الدّار الدّنيا وما فيها من إغراء وزينة بالمتاع العاجل والفناء الزّائل ليقابل الله بها الدّار الآخرة بنعيمها الدّائم الذي يكون خالصا للمتقين الأبرار فقال جلّ من قائل: (تِلْكَ الدَّارُ الاَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الاَرْضِ وَلاَ فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ).
صدّرت الآية باسم الإشارة الذي يستعمل للبعيد للدّلالة على علوّ منزلة المشار إليه: (الدَّارُ)، وهي محلّ السّكنى، ووصفها بالآخرة يضفي عليها معنى الدّوام والبقاء، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في إحدى خطبه المشهورة: «والله ما بعد الموت من مستعتب، ولا بعد هذه الدّنيا من دار، غير الجنة أو النّار»(1). ومعنى جعلها من الله الذي تدلّ عليه نون العظمة هو تحضيرها وتهيئتها للمتقين من عباده بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. ثم نفى عنهم إرادة العلوّ والفساد في الأرض، وهما الصّفتان الذميمتان اللّتين اتّصف بهما كلّ من فرعون وقارون مما أدّى بهما إلى ذلك المصير المشؤوم، ونفي الإرادة هو بمعنى نفي الميل القلبي، وذلك أبلغ في الطّهارة النّفسية، وأدلّ على التّواضع والحلم.
(وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ): أي المصير المحمود في جنة الخلد يكون لمن يتقي غضب الله وسخطه بامتثاله لأوامر الله واجتناب نواهيه.
(1) 1 - رواه البيهقي في شعب الإيمان من حديث الحسن البصري، وهو منقطع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، رقم 10097.