سورة العنكبوت
الجزء ١٣ · صفحة ٢٨٩مهّد الله لمعالجة قضية ضغط الوالدين المشركين على ولدهما المؤمن بالارتداد، مهّد الله بالتّوصية بالإحسان إليهما في كلّ حالة، إلاّ في حالة دفع ولدهما إلى ارتكاب أعظم الكبائر سوءا، وهي الإشراك بالله، فقد نهى الله عن طاعتهما في تلك الحالة، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وحقّ الله مقدّم على كلّ الحقوق الأخرى، ولكن الأمر بالإحسان إليهما لا يناقضه النّهي عن طاعتهما في حالة خاصّة، وهي تلك التي تتعلّق بإفساد العقيدة، لأنّ الإحسان أعمّ وأشمل في المعاملة، ولذلك نجد رسول الله يأمر سعدا بمداراة أمّه وترضيتها حتى في ذلك الموقف المحادّ لله، ونجد في آية سورة لقمان النّظيرة لهذه الآية، نجد زيادة قوله تعالى: (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنَ اَنَابَ إِلَيَّ) (15).
ويرى بعض المحقّقين أنّ آية سورة لقمان نزلت في مكّة، حيث ما يزال المسلمون مستضعفين لم ينفصلوا عن المجتمع، ممّا يضطرّهم إلى تلك المصاحبة بالمعروف لألصق النّاس بالمؤمن، أمّا في المدينة المنوّرة وقد أصبح للمجتمع المسلم كيانه المستقل، وقد اتّبع الرّسول مع المشركين سياسة المفاصلة والمتاركة، فإنّ آية سورة العنكبوت، -وهؤلاء المحقّقون يرونها مدنية رتّبت في سورة مكية-، فإنّ هذه الآية تخلو من تلك الزّيادة، ضرورة اتّباع حكم الله في نبذ الشّرك وأهله، ولو كانوا أولي قربى من مثل قوله تعالى في سورة المجادلة: (لاَّ تَجِدُ قَوْمًا يُومِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا ءَابَآءَهُمُ أَوَ اَبْنَآءَهُمُ أَوِ اِخْوَانَهُمُ أَوْ عَشِيرَتَهُمُ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الاِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ) (22).