سورة الرّوم
الجزء ١٣ · صفحة ٣٦٣القرآن واقعيّ في دعوته، ملمّ بجوانب النّفس البشرية، مترفّق في السّير معها على طريق الإرشاد والنّصح، فبعد تلك الجولة في الآفاق الرّحبة من الكون الفسيح، ها هو ذا يضيّق مطلوبه لدى المدعوّين ليسيروا في أرجاء الأرض، وذلك في متناول الجميع، وهم جزء من الخلق المنبتّ في أرجائها، ينتظمهم جميعا ماض تاريخيّ واحد، كما يستميلهم ويستهويهم مستقبل واحد، وسنّة الله في مراحل الموكب البشري واحدة، وهي منبثقة عن الحقّ الذي قام عليه الوجود كلّه، وما حدث للأمم الخوالي يكشف عن عواقب الأمم الآتية، إن هي سلكت نفس الطّريق واختارت لحياتها نفس القيم والإيديولوجيات، وسنّة الله لا تحابي أحدا، فما مقدار قوّة مشركي مكّة وغيرهم وما مدى حضارتهم إلى جانب الأمم العظيمة في التّاريخ مثل عاد وثمود ومثل الفرس والرّومان، أين هي تلك الحضارات، وكيف كان مصيرها؟، عندما اقتصر علمهم على ظاهر من الحياة الدّنيا، وغفلوا عن الآخرة تكذيبا بما جاء به الرّسل وفرحا بما عندهم من العلم حتى مضت فيهم سنّة الله في المكذّبين دمارا لحضارتهم وخرابا لعمرانهم كما قال أمير الشّعراء:
وليس بعامر بنيان قوم … إذا أخلاقهم كانت خرابا
وقال:
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت … فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا
وإذ كانوا يستحقّون تلك العقوبة بما كسبت أيديهم فإنّه تعالى ينتفي عنه الظّلم لأنّه قد أقام الحجّة عليهم قبل أن يأخذهم على ظلمهم.
وقوله بصيغة الاستدراك: (وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) للدّلالة على السّبب الباعث على معاملتهم بذلك، وأنّه ظُلم أنفسهم بالكفر والضّلال، وجيء بصيغة المضارع للدّلالة على الدّوام والاستمرار على ذلك.
(ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الذِينَ أَسَآءُوا السُّوأَى أَن كَذَّبُوا بِئَايَاتِ اللهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُون).