نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الرّوم

الجزء ١٣ · صفحة ٣٧٦

إنها الآية الثّالثة، وفيها إدماج لذكر بعض مواصفات الإنسان على ظهر الأرض، بخلق السّماوات والأرض وما بينهما من الأحوال المتكاملة المتلازمة، فخلق السّماوات والأرض آية عظيمة لا يكاد العلم يعرف عنها إلا النّزر اليسير، والقرآن حافل بذكر عظمتهما، وكونهما لا تندّان عن تدبير الله الحكيم، وأنهما تسبّحان بحمده، والإنسان هو أشرف مخلوق على ظهر الأرض نبت من ترابها وتميز بالنّفخة القدسية، فتوزّعت أجياله في أصقاع الأرض، فينشأ عن ذلك اختلاف في الألسن والألوان باختلاف البيئات والحاجات، بينما الأصل واحد في لونه ولسانه، فوجه المقارنة بين خلق السّماوات والأرض وبين اختلاف ألسنة البشر وألوانهم مع اتحادهم في الأصل واضح جليّ في بيان قدرة الله تعالى بما أودع في غريزة البشر من الطّبائع وحباهم به من أنواع التّصرف والتّفكير، فكانت لهم تلك الأحوال المختلفة في اللّون والنّطق.

يقول الإمام ابن عاشور: "وأعلم أنّ من مجموع اختلاف اللّغات واختلاف الألوان تمايزت الأجذام البشرية واتّحدت مختلطات أنسابها، وقد قسّموا أجذام البشر الآن إلى ثلاثة أقسام أصلية وهي: الجذام القوقاسي الأبيض، والجذام المغولي الأصفر، والجذام الحبشي الأسود، وفرّعوها إلى ثمانية وهي: الأبيض، والأسود، والحبشي، والأحمر، والأصفر، والسّامي، والهندي، والملايي (نسبة إلى بلاد المَلاَيُو) ".(1)

(إِنَّ فِي ذَالِكَ ءَلاَيَاتٍ لِّلْعَالَمِينَ): والعالمون هم البشر وغيرهم من العقلاء ممن يتدبّرون تلك الظّاهرة الدّالة على عظيم قدرة الله وعلى رحمته بهم في تيسير أسباب التّواصل والتّفاهم بوسائل النّطق الطّبيعية التي سخّرها لهم.

(1) 1 - محمد الطاهر بن عاشور، التّحرير والتّنوير: 21/ 75.

٤٬٢٢٠ / ٦٬٧٦٧