سورة الرّوم
الجزء ١٣ · صفحة ٣٧٧د) - (وَمِنَ -ايَاتِهِ مَنَامُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَآؤُكُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَالِكَ ءَلاَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ): تكرّرت هذه المنة الرّبّانية من خلودنا إلى الرّاحة والنّوم في اللّيل ونشاطنا الحيويّ بالنّهار، تكررت بأساليب مختلفة، وقد ارتبطت كلّ منهما بظاهرتي اللّيل والنّهار في الحركة الدّائبة للكون الأعظم، ولذلك الرّبط دلالته الموحية في مجال التّأمّل والاعتبار.
وللآية هنا احتمالان من حيث التّفسير:
أ) - فقوله تعالى: (بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) متعلق: بـ (مَنَامُكُم)، معناه أن النّاس ينامون باللّيل، كما ينام البعض منهم بالنّهار، كأصحاب الأعمال في المداومة وغيرها، وكالقائلين في منتصف النّهار لشدة الحرّ، ولنا أن نرجع نفس القيد لمصدر: (ابْتِغَآؤُكُم)، فيكون ذلك أيضا باللّيل والنّهار كما هو واقع اليوم في الحواضر الكبرى.
ب) - أما إذا جعلنا الكلام من قبيل اللّفّ والنّشر، فإنّنا نرجع كلّ عمل إلى ظرفه الزّمني، فيكون النّوم باللّيل، والسّعي بالنّهار، ولاختيار الابتغاء من فضل الله في مقام السّعي للرّزق إيحاءاته الإيمانية في ذكر فضل الله علينا في ما يبسطه من أرزاق لا يد لنا في توفيرها وتسخيرها لنا، إذ كثيرا ما يطغى الإنسان في بحبوحة غناه فينسى فضل الله عليه.
وأما التّعقيب بقوله: (إِنَّ فِي ذَالِكَ ءَلاَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ)؛ فلأن السّمع هو الوسيلة الكبرى التي نطّلع بها على أحوال النوم من غيرنا؛ لأننا في حالة نومنا نحن شبه أموات، لا نشعر بما يعترينا خلاله إلا بما نعرفه بواسطة غيرنا، إذ قد يعترينا كابوس أو نشاهد أحلاما فتصدر منّا أصوات وحركات لا شعورية، وما تزال ظاهرة النّوم محيّرة للعلماء في فهم أسرارها، فهي آية من آيات الله حقا.