نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة لقمان

الجزء ١٣ · صفحة ٤٥٢

قلت: والصّورة البديعة مأخوذة من واقع النّاس ومألوفهم في تدوين ما يتحصّلون من معارفهم المحدودة، ولنا أن نتصوّر حجم الأوراق والكتب والمجلدات التي تحتوي عليها المكتبات الخاصة والعامّة في العالم بعد اختراع الورق وما كان بديله من رقّ الحيوانات وجلودها، كما نتصوّر ما كان قبل ذلك من وسائل بدائية استعملها الإنسان في كتاباته ورسومه منذ فجر التّاريخ إلى عصرنا الحاضر وإلى ما يزال من الحياة البشرية كما قدّرها الله، فكم من ملايين الأشجار برئت أقلاما وكم من بحار من المداد سخّرت لذلك، إنها -ولا شك- كمّ هائل يجلّ عن الحصر، ذلك في علم الإنسان المحدود، فكيف بعلم الله اللاّمحدود، وهو لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السّماء؟، فما هذا -إذن- إلاّ مثل يضربه الله للناس لتقريب المعنى لأذهانهم، وإلاّ فعلم الله أكثر منه وأوسع بما لا تصل إليه أفهامنا ومدركاتنا؟.

وإذا عرفنا أنّ سبب نزول هذه الآية هو أنّ اليهود قالوا لرسول الله حين نزل عليه قوله تعالى إجابة عن سؤالهم عن الرّوح فقال بعدها: (وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً) (الإسراء:85). فقالوا: كيف وأنت تتلو فيما جاءك أنا قد أوتينا التّوراة، وفيها تبيان كل شيء؟. فقال الرّسول: «هي في علم الله قليل»، ثم أنزل الله هذه الآية.(1)

وكان المشركون في مكّة ينتظرون انتهاء نزول القرآن لينفحم الرّسول أمامهم.

قلت: إذا عرفنا أسباب النّزول، -وإن كانت العبرة بعموم اللّفظ لا بخصوص السّبب-، أدركنا موقع قوله تعالى في أعقاب الآية: (إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)، فليس لعزّته وغلبته حدّ، ولا لحكمته وعلمه نفاذ.

(1) 1 - رواه الترمذي بلفظ قريب من حديث ابن عباس، كتاب (48) تفسير القرآن، باب (18) سورة بني إسرائيل، رقم 3140، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب: 5/ 304.

٤٬٢٩٦ / ٦٬٧٦٧