سورة السّجدة
الجزء ١٤ · صفحة ٣١على ذكر عواقب المؤمنين والنّافقين، وتشديد النّكير على المكذّبين الجاحدين، يأتي هذا الإخبار القصير عن موسى ورسالته وقومه واصطفائه تعالى أئمّة من قومه للدعوة إلى الله تسلية لرسول الله عمّا يلقاه من قومه، وإيحاء للمؤمنين به أن يصبروا حتى يجعل الله منهم أئمّة للهدى، وكلّ ذلك بأسلوب التّنظير والتّمثيل إتباعا لمنهجية القرآن في ذلك فقال تعالى: (وَلَقَدَ … -اتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآئِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَآءِيلَ).
جاء هذا الخبر معترضا خلال تقرير الأحوال الثّلاثة للعقيدة الإسلامية، وللتركيز على صدق رسالة رسول الله، وفي معرض ما يعانيه من إعراض قومه يأتي هذا الاستطراد لتسليته عليه السلام بأنّ ما لقيه من قومه هو نظير ما لقيه موسى من فرعون وقومه، وأنّ ما يتنزّل عليه من القرآن هو كما تنزّل على موسى، فكلّّ من القرآن والتّوراة مصدرهما واحد، فبين الرّسالتين صلة وثيقة، جعلهما الله نورا وهداية لخلقه، وفي التّنظير بين الكتابين وذكر بني إسرائيل تحريض لليهود على الإيمان برسالة القرآن وحمل للمشركين على التّصديق به، وجاء الخبر مؤكّدا بلام القسم وحرف التّحقيق للتركيز على معنى التّسلية، وقد بينّا مختلف الاحتمالات التي تكون لمرجع الضّمير في قوله تعالى: (فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآئِهِ)، وقد فصّلها الإمام ابن عاشور وقال في آخرها: "وللمفسرين احتمالات أخرى لا تسفر عن معنى بيّن، ومن أبعدها حمل اللّقاء على حقيقته وعود الغائب لموسى، وأن المراد لقاؤه ليلة الإسراء وعده الله به وحققه له في هذه الآية قبل وقوعه"(1).
(1) 1 - التّحرير والتّنوير: 21/ 236.