سورة الأحزاب
الجزء ١٤ · صفحة ١٢٠(وَبَشِّرِ الْمُومِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللهِ فَضْلاً كَبِيرًا): بيان لمتعلق البشرى بأسلوب الإنشاء بعد الخبر، والفضل ما يكون زائدا على العطية ففضل الله على المؤمنين هو استيفاء الأجر على أعمالهم، ووصفه بأنه "كبير"، أي يفوق كل تقدير لأنه وصف من الكبير المتعالي فيكون بمعنى ما ورد في وصف الجنة: «فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر»، على أن هذا الفضل من الله للمؤمنين لا يقتصر على نعيم الآخرة، بل يشمل فضل الله عليهم في الدّنيا بالنّصر والتّمكين، وبالسّعادة والرّضى والطّمأنينة.
(وَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعَ اَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلاً):
جاء النّهي عن طاعة الكافرين والمنافقين مقابل بشارة المؤمنين، فأغنى هذا النّهي عن ذكر متعلق الإنذار في قوله تعالى: (اِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا)، ذلك لأنّ للكافرين والمنافقين محاولات في تعكير الصّفو على النبي في زواجه بمطلقة متبنّاه، وفي عدم استئذانه للمنافقين في موقف الأحزاب، وهو ذات النّهي الذي ورد في مفتتح السّورة، غير أنّ المقام يختلف إذ يتعلق الأمر هنا بتبليغ الدّعوة كما أمر الله ولذلك أضاف هنا قوله: (وَدَعَ اَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ)، بألاّ يحفل بإغرائهم، ولا يأبه لمكرهم وإذايتهم، بل يعتمد على الله فهو كافله وراعيه وكفى به وكيلا قائما على ضمان نصره وإنجاح دعوته.
ويجيء هذا النّداء الثّالث وما فيه من أوصاف مشرفة لرسول الله وما أعقبها من أمر ونهي في مواجهة الكافرين والمنافقين، يجيء ليبيّن ما تحمّله الرّسول في حادثة زينب وزيد من ثقل وإعنات كان في حاجة إلى مثل هذا التثبيت الإلهي وإلى تلك الشّحنة الرّوحية من توثيق الصّلة بالله والتّوكيل عليه.