سورة الأحزاب
الجزء ١٤ · صفحة ١٥٢بعد تهديد المنافقين ومن على شاكلتهم من الذين في قلوبهم مرض والمرجفين في المدينة، تهديدهم بما يصيبهم في الدنيا من المطاردة والإهانة، ذكر الله أحوالهم في الآخرة، ومهّد لذلك بذكر سؤال الناس عن الساعة متى تقوم فقال: (يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلِ اِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا).
يرد لفظ الساعة في القرآن الكريم ويراد به ذلك الحدث المهول الذي يقدّر الله فيه فناء العالم ويعبّر عنه بقيام الساعة، ولا يعلم موعدها إلا الله تعالى، وهو من الأمور الغيبية التي حيّرت الناس قديما وحديثا، ومن المشاكل التي تمسّ أصول عقيدتهم، فيختلفون في استيعاب فكرتها ويكثر تساؤلهم ومجادلتهم لرسل الله حولها وتكرر السؤال عنها في القرآن.
واختيار كلمة: (النَّاسُ) مناسب لمثل هذا الموضوع الحسّاس؛ لأن في الناس المؤمن والكافر والمنافق، وتتفاوت في كل صنف طبقاتهم وتختلف دوافعهم ومقاصدهم في السؤال، فمنهم الجاحد الناكر، ومنهم الحائر الشاك، ومنهم الخائف المشفق، ومنهم المتحدّي العنود الذي يقصد بسؤاله التعجيز. والله تعالى أقفل الباب في معرفة موعدها وحصر علم ذلك في ذاته العلية وقال: (اِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللهِ)، وقوله تعالى مخاطبا رسوله: (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا)، فليس في هذا السؤال بيان للمستفهم عنه وهو قيام الساعة أيكون قريبا أو بعيدا؟، إذ أن علم ذلك عند الله وحده. والمعنى: أي شيء يدريك الساعة قريبة أم بعيدة؟. غير أن الآيات الأخرى تشير إلى قربها كقوله:
أ) - (اَقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ) (الأنبياء:1).
ب) - (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ) (القمر:1).
ج) - (إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا، وَنَرَاهُ قَرِيبًا) (المعارج:6 - 7).