سورة سبأ
الجزء ١٤ · صفحة ١٦٦(وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الاَخِرَةِ): الجملة معطوفة على ما قبلها، غير أن التركيب قد اختلف، فيلاحظ هنا تقديم المجرور لإفادة الحصر، أي أن الحمد مقصور عليه في الآخرة؛ لأنها دار جزاء فقد انتهى الملك المجازي المؤقت الذي قد يحمد عليه الناس في الدنيا، فكما تمحّض الملك الحقيقي لله وحده، كما جاء في قوله تعالى: (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لله الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) (غافر:16). فكذلك يتمحّض الحمد لله، ويلاحظ خلوّ الجملة الثانية من التعليل الذي ورد في الجملة الأولى من إثبات ملكية ما في السماوات وما في الأرض لله وحده، ذلك لأن الآخرة ما تزال في عالم الغيب لا يؤمن بها إلا من خشي ربّه وأيقن بصدق وعده بما يكون في النشأة الثانية. ولذلك نجد القرآن يورد عبارات الحمد للمؤمنين، وقد وجدوا ما وعدهم ربّهم حقا فيحمدون الله اعترافا وامتنانا بفضله. وذلك مثل قوله تعالى:
(الْحَمْدُ للهِ الذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلآَ أَنْ هَدَانَا اللهُ) (الأعراف:43).
(وَقَالُوا الْحَمْدُ للهِ الذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الاَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ) (الزمر:74).
(وَقَالُوا الْحَمْدُ للهِ الذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ، الذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ) (فاطر: 34 - 35).
(وَءَاخِرُ دَعْوَاهُمُ أَنِ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (يونس:10).
والتذييل بقوله تعالى: (وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ) مناسب لما تقتضيه صفة الخلق والإيجاد وتدبير الملك من الحكمة في إتقان الصنع وحسن التدبير لشؤون ملكوته، وذلك يستلزم العلم بحقائق الأشياء ودقائقها في ظواهرها وبواطنها بحيث لا يفوته منها شيء، وهو ما يدلّ عليه الوصف: (خبير).