سورة سبأ
الجزء ١٤ · صفحة ١٦٧(يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الاَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَآءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ): تجيء هذه الجمل الأربع بيانا وتفصيلا لصفتي (العليم الخبير)، وصيغة المضارع فيها للدلالة على الدوام والاستمرار، إذ جعل من متعلّق علمه تعالى وخبرته ما يلج في الأرض وما يخرج منها، وما ينزل من السماء وما يعرج فيها.
إن هذه الأرض التي جعلها الله مهادا لحياتنا وقدر فيها أقواتنا، ونحن إذ نسخّر طاقاتنا للتمكن من معرفة أجزائها ومحتوياتها وكشف بعض أسرارها، فهل تتسع معرفتنا لإدراك تلك الحركة الدائبة مما يتسرّب إلى باطنها من أنواع المواد والأحياء مهما تنوعت أحجامها ومهما دقّ عنصرها؟، فكم هو عدد تلك التفاعلات التي تتمّ في كل لحظة مما يلج في الأرض وما يخرج منها؟، إنها حركات وتفاعلات تنمّ عن قدرة الله لا يد للإنسان فيها.
وأما الفضاء الكوني وما يسيح فيه من أجرام وما ينبث فيه من كواكب مما نبصره وما لا بنصره فهو الآية العظمى لقدرة الله، وحركة النزول والعروج هي الأنسب بما نشاهده من تلك المخلوقات وهي تبدو فوق رؤوسنا تتكامل مع الأرض في دورانها وسيرها ماديا وروحيا. وقد تحدث القرآن عن نزول الملائكة وعروجهم وعن صعود الأرواح إلى بارئها وصعود الكلم الطيّب إلى الله … إلخ، فإذا كانت معرفتنا بما يخصّ الأرض من حركات وتفاعلات ونحن ندبّ على ظهرها ضيقة محدودة فكيف تكون معرفتنا بفضاء الكون وما يتمّ فيه من نشاط وتناغم لا يعلمه إلا الحكيم الخبير؟.