نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة سبأ

الجزء ١٤ · صفحة ١٧٨

وقد ردّ الله عليهم مرة أخرى مبيّنا ومنذرا: (بَلِ الذِينَ لاَ يُومِنُونَ بِالاَخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلاَلِ الْبَعِيدِ)، أبطل مقولتهم بحرف الإضراب: "بل"، وعدل عن استعمال الضمير إلى قوله: (الذِينَ لاَ يُومِنُونَ بِالاَخِرَةِ)، فهذا الوصف يبّين حالتهم التي أدت بهم إلى الضلال في الدنيا والعذاب في الآخرة. ووصف الضلال بـ"البعيد" هو للدلالة على توغلهم في طريق الضلال بحيث لا يرجى معه رجوع إلى الهداية؛ لأنهم قطعوا صلتهم بأي شفاء روحي يبعث في نفوسهم الطمأنينة والأمل ويدفعهم إلى السعي والعمل لافتقارهم إلى العقيدة الصحيحة في الجزاء الأخرويّ، مما يدفعهم إلى اليأس عندما يواجهون أي مشكل فيستعجلون موتهم بأيديهم وذلك هو الضلال البعيد، كما أكده الله في قوله: (أَفَلَمْ يَرَوِا اِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُم مِّنَ السَّمَآءِ وَالاَرْضِ إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الاَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسْفًا مِّنَ السَّمَآءِ اِنَّ فِي ذَالِكَ ءَلاَيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ).

فرّع الله على قوله: (بَلِ الذِينَ لاَ يُومِنُونَ بِالاَخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلاَلِ الْبَعِيدِ)، فرّع الإنكار على الذين لا يتأملون عجائب خلق الله في السماء والأرض، فجيء بالاستفهام التعجيبي من عدم استدلالهم بتلك الكائنات الضخمة على قدرة الله تعالى في أن يعيد خلقهم من جديد، وأنّه لولا فضله تعالى ورحمته لما اطمأنّوا في حياتهم الحاضرة على وجه الأرض، إذ لو شاء لخسف بهم الأرض بظلمهم وفسادهم، أو لأسقط عليهم من السماء قطعا من العذاب كما فعل بالأمم الخوالي، فليس الله بعاجز على ذلك، ولكنّه يملي لهم ويستدرجهم من حيث لا يعلمون، وهو الحليم الغفور. ونظير هذا المعنى قوله تعالى:

٤٬٤٩٠ / ٦٬٧٦٧