سورة سبأ
الجزء ١٤ · صفحة ٢٢٧ج) - (وَقَالَ الذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمُ إِنْ هَذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ): وإذ بلغوا ذروة الطعن والتهاتر بمقولتهم الثالثة فقد أظهر الله القائلين: (وَقَالَ الذِينَ كَفَرُوا)، وهم يفرغون آخر ما في جعبتهم ليردّوا جميع ما أتى به رسول الله من وجوه الحقّ والبرّ، وذلك بعد أن أفلسوا في دعاياتهم، وأصبح الكثير منهم ينجذب إلى سحر البيان القرآني، فأجمعوا أمرهم على أن يقولوا في القرآن كلمة تنفرّ الناس عن سماعه، فكان ما كان منهم مع الوليد بن المغيرة بعد الإلحاح عليه فقال قولته هذه في شأن القرآن: (فَقَالَ إِنْ هَذَآ إِلاَّ سِحْرٌ يُوثَرُ، إِنْ هَذَآ إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ) (المدثر:24 - 25).
وللتعجيب من حالهم وبيانا لجهالتهم في رفضهم للحق الذي آثرهم الله به، بأن ليس لهم ما يتمسكون به من تلك المزاعم ردّ الله عليهم بقوله: (وَمَآ ءَاتَيْنَاهُم مِّن كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَّذِيرٍ)، أي إن دعوتهم إلى التمسك بدين آبائهم دعوى باطلة لأمرين:
أ) - (وَمَآ ءَاتَيْنَاهُم مِّن كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا).
ب) - (وَمَآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَّذِيرٍ).
أي ما كانوا أهل كتاب -كاليهود والنصارى- حتى يتواصوا بالاستمساك به، وما جاءهم رسول من قبلك يتبعون دينه، حتى يتردّدوا في اتّباعك فكيف يرفضون ما جئتهم به، وفيه ذكرهم ورفع شأنهم إذ يصبحون أمّة كتاب منزّل من عند الله، وقد امتن الله عليهم بذلك إذ قال في سورة الأنعام: (وَهَذَا كِتَابٌ اَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ، أَن تَقُولُواْ إِنَّمَآ أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ) (155 - 156).