سورة سبأ
الجزء ١٤ · صفحة ٢٢٨(وَكَذَّبَ الذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَآ ءَاتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِي): يهددّهم الله بإمضاء سنته فيهم، كما فعل بمن سبقوهم من الأمم التي كانت أقوى منهم سلطة وقوة ومنعة، إذ لم يبلغ هؤلاء ولو معشار ما بلغه أولئك الأقوام السابقون، والمعشار -وهو جزء من عشرة- هو للتقليل من شأن كفار قريش في القوة المادية بالنسبة لمن يحيط بهم في شمال الجزيرة وجنوبها ممن يشاهدون آثار الدمار لديارهم بعدما أقام الله عليهم الحجة بإرسال الرسل إليهم، ولكنهم كذبوهم وعاندوهم، فلينظروا كيف كان انتقامي منهم بعد أن حق عليهم غضبي وتكبري.
(قُلِ اِنَّمَآ أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ اَن تَقُومُوا للهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ اِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ):
تتابع الأمر الإلهي لرسوله بالقول للذين كفروا، يلقّن له ما يدعوهم به أوّلا إلى التأمّل الواعي والنظر في الحقائق التي يطرحها عليهم، وهم متجرّدون إلى الله مثنى وفرادى، ليتحررّوا من الضغط الجماعي في ما يحاوله الكبراء من فرض آرائهم على الجماهير الساذجة.
وقوله تعالى على لسان رسوله: (اِنَّمَآ أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ) هو اختصار مسالك النظر حتى يحصروا تفكيرهم في ما يوجههم إليه، ولما كان التفكير الثنائي هو أنجع طريقة لتضييق شقة الخلاف ويليه في النجاعة التفكير الفردي فقد بدأ بما هو الأفيد والأنجع فقال: (مثنى وفرادى)، وبعد استكمال إطار الحوار يأتي التفكير السليم للتوصّل إلى النتيجة، والقيام لله يراد به المعنى المجازي في التجرّد عن الضواغط النفسية والاجتماعية، والقضية التي يطرحونها للنقاش هي تمحيص حال النبي في وصفهم إياه بالجنون. ووصفه: (بِصَاحِبِكُم) يعني مجرّد المخالطة لتمحيص خلقه.