سورة سبأ
الجزء ١٤ · صفحة ٢٢٩غير أن الاقتصار على نفي الجنون عنه يقتضي نفي الصفات الأخرى التي يصفونه بها كالسحر والكذب والكهانة ولأن صفة الجنون هي الرائجة عندهم.
ثم أعقب الله ذلك بحصر مهمة رسوله في النذارة من عذاب قريب: (قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّنَ اَجْرٍ فَهُوَ لَكُمُ إِنَ اَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ):
ومن الشبه التي ردّدها المشركون أن رسول الله يريد بدعوته أن ينال بها حظوة من مال أو جاه أو سلطة، وقصتهم مع عمّه أبي طالب مشهورة، فلما نفيت عنه الخلال السابقة من الجنون والسحر والكهنوت، بقيت لهم هذه التهمة التي تروج على الكثير منهم، وهي تهمة طلب الأجر على إرشاده لهم، فجاء النفي بأسلوب تهكّمي بفرض أن ذلك قد وقع، ولكنه زهد فيه وأعرض عنه وطلب منهم أن يأخذوه، فقال بصيغة الماضي: (مَا سَأَلْتُكُم مِّنَ اَجْرٍ فَهُوَ لَكُم)، أي إن كنتم أعطيتموني أجرا على دعوتي فاستردّوه، لأن أجري هو مضمون عند الله، وهو على كل شيء شهيد، عالم بحسن نيتي، كما يعلم خفايا جميع الكائنات.
(قُلِ اِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ): القذف هو رمي الشيء بقوة، والتعبير بصفة "الرّب" مضافة إلى ياء المتكلم لما في ذلك من معنى الرعاية والعناية، وأنّ الحق بجانب المتكلم، والمقذوف عليه هو الباطل الذي عليه المشركون وقد صرّح بذلك في قوله: (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ) (الأنبياء:18). والتعقيب بقوله: (عَلاَّمُ الْغُيُوبِ) للإشارة إلى أنّ الحقّ منتصر لا محالة، وأنّه تعالى عليم بشؤون خلقه وبمصائرهم، وهو أعلم بمن يختارهم لرسالته يضع كل شيء في موضعه بحكمة ودقة.