نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة فاطر

الجزء ١٤ · صفحة ٢٣٦

(غَيْرُ اللهِ): قرأه الجمهور برفع (غير)، على اعتبار محلّ (خالق) المجرور بـ"من"؛ لأنه محله رفع بالابتداء، وإنما لم يظهر الرفع للاشتغال بحركة حرف الجرّ الزائد، وقرأه حمزة والكسائي وأبو جعفر وخلف بالجرّ على اتباع اللفظ دون المحلّ.

د) - البيان والتّفسير:

سورة "فاطر" هي آخر السور المبدوءة بالحمد لله، ومع تماثل الاستفتاح بحمد الله في تلك السور، فإنّ لكلّ سورة ميزة في ما يشتمل عليه سياقها من أوصاف لله تعالى تذكر بعظمته، وتؤذن باستحقاقه لذلك الحمد دون سواه.

قال تعالى: (الْحَمْدُ للهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ جَاعِلِ الْمَلآَئِكَةِ رُسُلاً اُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَآءُ اِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ):

فزيادة على ما تفيده "لام الملكية" أضاف لذاته العلية قدرة الإيجاد والخلق للكائنات على غير مثال سابق، باستعمال صفة "فاطر" وهي مشتقة من "الفطر" بمعنى الشق. ويستعمل في شق ظاهر الشيء من باطنه فيقال: فطر النبات الأرض، أي شقها ونبت من باطنها، فمعنى فاطر السماوات والأرض، أي خلقهما وفق نظام الفطر ابتداء من العدم، فالسماوات والأرض له ملكا وخلقا وإيجادا ملكية حقيقية لا مجازية كما هو شأن الناس في ادعائهم الملكية لأشياء لا يملكون منها إلا الانتفاع ثم يتركونها لغيرهم.

والصفة الثانية التي يستحق ربنا الحمد عليها هي قوله: (جَاعِلِ الْمَلآَئِكَةِ رُسُلاً اُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَآءُ)، واختيار هذا الوصف من جعله الملائكة رسلا، هو للتنبيه إلى الإيمان بالوحي والرسالة؛ لأنّ المخاطبين من الكفّار، ويكذّبون رسول الله في ما يخبرهم به من اتصاله بالسماء.

٤٬٥٤٨ / ٦٬٧٦٧