شرح الجامع الصحيح (الجزء 3) [نسخة كوكب المعرفة] عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

ما جاء أن من حكم بين اثنين فقد ذبح نفسه بغير سكين

الجزء ١ · صفحة ٥٧

ومنهم من قال: إن القاضي لمَّا استسلم لحكم الله واصطبر على مخالفة الأباعد والأقارب في خصوماتهم، لم تأخذه في الله لومة لائم حتى قاده ذلك إلى مرَّ الحق جعله ذبيحاً للحق وبلغ به حال الشهداء الذين لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله، وقد ولى رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً ومعاذاً ومَعقل بن يسار فنعمَ الذابحُ ونعم المذبوحُ، وفي كتاب الله الدليل على الترغيب فيه بقوله: (يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا) إلى آخر الآيات، ورُدَّ بأن حديث الباب وارد في ترهيب القضاة لا في ترغيبهم، وهذا هو الذي فهمه السلف والخلف، ومن جعله من الترغيب فقد أبعد، وقد استروح كثير من القضاة إلى ما ذكره هذا المتأول(3 ) وقد ورد الترغيب في القضاء ما يُغني عن مثل ذلك التكلُّف والله أعلم.

------------------------------------------------

(1 ) رواه الخمسة إلا النسائي، وأخرجه أيضاً الحاكم والبيهقي والدارقطني وحسَّنه الترمذي وصحَّحه ابن خزيمة وابن حِبَّان.

(2 ) ذُبح: بضم الذال المعجمة مبني للمجهول.

(3 ) هو أبو العباس أحمد بن القاص الطبري شيخ الشافعية في طبرستان [-- 335هـ]، وذكر ذلك ابن رسلان في شرح السنن، وهو القائل في حديث أبي هريرة هذا الذي ذكره أحمد والترمذي وأبو داود: ليس في هذا الحديث عندي كراهية القضاء وذمه: إذ الذبح بغير سكين مجاهدة النفس وترك الهوى، والله يقول: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا).

---

٥٥ / ٢٤٩