شرح الجامع الصحيح (الجزء 3) [نسخة كوكب المعرفة] عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

ما جاء في لزوم الفقير وأن المدعي ما ليس له والمنكر ما عليه كافران

الجزء ١ · صفحة ٥٨

ما جاء في لزوم الفقير وأن المدعي ما ليس له والمنكر ما عليه كافران

82- أبو عبيدةَ عن جابر بن زيد عن ابن مسعود يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لزومُ الفقيرِ حَرَام والمُدَّعي ما ليسَ له والمُنكرُ لما عليه كافران».

1- قوله: «لزوم الفقير حرام»: المراد بالفقير من لا يقدر علىالوفاء(1 ) والمراد بلزومه(2):

الإلحاح عليه في الطلب ومرافعته إلى الحاكم والتضييق عليه في ذلك، فإن كان كله أذىً له ولا يحل أذاه وهو معدم، وقد أمرنا الله تعالى بإنظار المُعسر في قوله عزَّ من قائل: (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ) ومنهم من حمل الآية على المعسر برأس المال في الربا، لذكر ذلك في الآية قبلها، وحديث الباب يؤيد الأول، وهذه فيمن صحَّ إفلاسه.

فأما من ادَّعى العُدْمَ فقيل لا يحبس حتى يصحُّ كذبه، وقيل: يحبس حتى يصح عُدْمه، وقيل: إن كان الدين من عوض كقرض وشراء سلعة ونحو ذلك حُبس حتى يصح عدمه، وإن كان من غير عوض لم يحبس حتى يصحَّ غِناه، ونسب إلى أكثر أصحابنا، وذلك أن الحكم فيما كان من عوض بقاء ذلك الشيء أو عوضِه، والحكم فيما كان من ضمان أو نحوه عدم الشيء حتى يصح الوجود والأقوال الثلاثة في المذهب، وذُكر عن شُريح(3) أن رجلاً خاصم رجلاً إليه فقضى عليه وأمر بحبسه ليقضي ما عليه من أمانة أتلفها، فقال رجل كان عند شريح: إنه معسر والله تعالى يقول في كتابه: (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ) فقال شريح: إنما ذلك في الربا وإن الله تعالى قال: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ)(4)، ولا يأمرنا الله بشيء ثم يعذبنا عليه: أي حكمت بما أمرني به فكيف يعذبني عليه؟

٥٦ / ٢٤٩