شرح الجامع الصحيح (الجزء 3) [نسخة كوكب المعرفة] عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

ما جاء أن حكم الحاكم لا يحلل حراما

الجزء ١ · صفحة ٤٨

ما جاء أن حكم الحاكم لا يحلل حراماً

79- أبو عُبيدةَ عن جَابر بن زيد عن ابن عبَّاس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما أنا بَشَرٌ مثلُكم تختصمونَ إليَّ فأحكُمُ بينكم، ولعل بعضكم ألْحَنُ بحُجَّتِهِ من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمعُ منه، فمن قضيتُ له بشيءٍ من حَق أخيه فلا يأخُذْ منهُ شيئاً، فإنما أقطعُ له قِطْعةُ من نارْ».

قال الربيع: «ألحَنُ»»: أقطَعُ وأبلَغُ وأحَقُّ.

1- قوله: «عن ابن عباس»: الحديث رواه الجماعة عن أم سلمة(1 )، وقد احتج به من لم ير للحاكم أن يحكم بعلمه.

2- قوله: «إنما أنا بشر مثلكم»: البشر يطلق على الجماعة والواحد، وبمعنى أنه منهم، والمراد أنه صلى الله عليه وسلم مشارك للبشر في أصل الخليقة ولو زاد عليهم بالمزايا التي اختصَّ بها في ذاته وصفاته، والحصر هنا مجاز لأنه صلى الله عليه وسلم يختصُّ بالعلم الباطن الذي يطلعه الله عليه من عجائب الملك والملكوت وأحوال الآخرة، ويسمى قصر قلب، لأنه أتى به رداً على من زعم أن من كان رسولاً فإنه يعلم كل غيب حتى لا يخفى عليه المظلوم من الظالم، والحكمة في ذلك أنه كان يمكن إطلاعه بالوحي على كل حكومة أنه لما كان مشرِّعاً كان يحكم بما شُرع للمكلَّفين ويعتمده الحاكم بعده، فقوله: «إنما أنا بشر مثلكم»(2 ) : أي في إجراء الأحكام على الظاهر الذي يستوي فيه جميع المكلفين، فأمر أن يحكم بمثل ما أمروا أن يحكموا به ليتم الإقتداء وتطيب نفوس العباد بالانقياد إلى الأحكام الظاهرة من غير نظر إلى الباطن، والحاصل أن هنا شيئين: أحدهما طريق الحكم وهو الذي كلف المجتهد بالتبصر فيه، وبه يتعلق الخطأ والصواب، والآخر ما يبطنه الخصم ولا يطلع عليه إلا الله ومن شاء من رسله، وهذا لم يقع التكليف به.

٤٦ / ٢٤٩