باب في حق الوالدين ومن نزل منزلتهما بالجوارح واللسان
الجزء ٨ · صفحة ٤٠١بَابٌ فِي حَقِّ الْوَالِدَيْنِ وَمَنْ نَزَلَ مَنْزِلَتَهُمَا بِالْجَوَارِحِ وَاللِّسَانِ وَالْقَلْبِ .
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا : ﴿ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ ﴾ تَهْدِيدًا لِمَنْ أَضْمَرَ لَهُمَا مَا يَكْرَهَانِ إلَّا الْبَرَاءَةَ إنْ اسْتَحَقَّاهَا ، لِأَنَّ إضْمَارَ ذَلِكَ مَعْصِيَةٌ ، وَالْمَعْصِيَةُ لَا يَجُوزُ إضْمَارُهَا ، وَلِأَنَّ إضْمَارَ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى فِعْلِهِ ( فُرِضَ عَلَى الْوَلَدِ بِرُّ وَالِدَيْهِ ) : أَيْ الْإِحْسَانُ إلَيْهِمَا وَمُوَافَقَتُهُمَا فِيمَا أَرَادَا ، وَيُقَالُ : طَاعَةُ الْوَالِدَيْنِ ، كَمَا يُقَالُ : بِرُّهُمَا وَالْإِحْسَانُ إلَيْهِمَا ، لِأَنَّ مَعَ طَاعَتِهِمَا مُطَاوَعَتَهُمَا ، وَلَكِنَّ هَذَا اللَّفْظَ يَخْتَصُّ بِمَا إذَا أَمَرَاهُ أَوْ عَلِمَ بِحُبِّهِمَا شَيْئًا ، وَقَدْ وَرَدَ لَفْظُ الطَّاعَةِ فِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُولِي الْأَمْرِ ، فَعُلِمَ جَوَازُهَا فِي الْوَالِدَيْنِ لِأَنَّ الْكُلَّ مَخْلُوقٌ وَقَدْ وَرَدَ أَيْضًا فِيهِمَا : ( وَإِنْ كَافِرَيْنِ ) أَيْ مُشْرِكَيْنِ وَيَدْخُلُ الْمُنَافِقَيْنِ بِالْأَوْلَى ، أَوْ أَرَادَ الْكُفْرَ الْمَوْجُودَ فِي النِّفَاقِ وَالشِّرْكَ الْمُتَوَطِّئَ فِيهِمَا ( لَا فِي مَعْصِيَةِ الرَّبِّ تَعَالَى ) عَنْ أَنْ يَعْصِيَ فِي مُطَاوَعَةِ أَحَدٍ ، وَعَنْ كُلِّ نَقْصٍ وَفِي الدِّيوَانِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ﴿ لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ ﴾ وَإِنَّمَا يُطِيعُهُمَا فِي الْوَاجِبِ وَالْمَسْنُونِ وَالْمَنْدُوبِ وَالْمُبَاحِ ، وَيُطِيعُهُمَا فِي الْمَكْرُوهِ أَيْضًا لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْصِيَةٍ ، وَغَيْرُ مُكَلَّفٍ بِتَرْكِهِ ، وَلَوْ عَصَاهُمَا فِيهِ لَمْ يَكُنْ آثِمًا لِأَنَّ الْمَكْرُوهَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ .
( وَلْيُصَاحِبْهُمَا مَا عَاشَا مَعْرُوفًا ) أَيْ مُصَاحَبَةَ مَعْرُوفٍ أَوْ مُولِيًا لَهُمَا مَعْرُوفًا ، فَانْظُرْ تَفْسِيرِي ، وَمِنْ جُمْلَةِ مُصَاحَبَتِهِمَا مَعْرُوفًا أَنْ لَا يَخْرُجَ عَنْ دَارِهِمَا إنْ أَرَادَ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَهُمَا ، وَلَا يُقِيمَ فِي دَارٍ وَحْدَهُ إلَّا إنْ كَانَتْ دَارُهُمَا مَعْصِيَةً لَا تُتْرَكُ بِنَهْيِهِ ، فَلَهُ الْخُرُوجُ عَنْهُمَا إنْ لَمْ