شرح النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

باب في حق الوالدين ومن نزل منزلتهما بالجوارح واللسان

الجزء ٨ · صفحة ٤٤٨

( وَحَقُّ الْأُمِّ أَعْظَمُ ) مِنْ حَقِّ الْأَبِ لِمَا قَاسَتْهُ ، إذْ كَانَ دَاخِلَ بَطْنِهَا ، وَإِذْ كَانَ خَارِجَهُ مِنْ أَمْرِهِ ، وَالْحَالُ أَنَّهُ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى دَفْعٍ أَوْ جَلْبٍ ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ ذَكَرَ فِي مَعْرِضِ حَقِّهَا مَا لَمْ يَذْكُرْهُ فِي حَقِّ الْأَبِ ، وَهُوَ أَنَّهَا حَمَلَتْهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ ، وَبَعْدَ وَضْعِهَا يُلَازِمُهَا لَلرِّضَاعِ وَلَا يَنْفَصِلُ عَنْهَا فِي عَامَيْنِ ، وَأَنَّهَا حَمَلَتْهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا ، يَعْنِي أَنَّ كَوْنَهُ فِي بَطْنِهَا وَمُقَامُهُ فِيهِ حَتَّى تَضَعَهُ أَمْرٌ صَعْبٌ عَلَيْهَا ، وَكَذَا وَضْعُهُ صَعْبٌ شَاقٌّ ، وَلِحَدِيثٍ : ﴿ لَوْ فَعَلْتَ مَا فَعَلَتْ مَا جَازَيْتَهَا عَلَى طَلْقَةٍ وَاحِدَةٍ ﴾ ، ﴿ وَلِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، إذْ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ مِنِّي بِحَقِّ الصُّحْبَةِ ؟ قَالَ : أُمُّكَ ، فَقُلْتُ : ثُمَّ مَنْ ؟ قَالَ : أُمُّكَ ، قُلْتُ : ثُمَّ مَنْ ؟ قَالَ : أَبُوكَ ثُمَّ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ ﴾ ، وَحَدِيثِ : ﴿ إذَا دَعَاكَ أَبُوكَ وَأُمُّكَ فَأَجِبْ أُمَّكَ ﴾ ، وَفِي رِوَايَةٍ ، ﴿ قَالَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ : أَحَقُّ النَّاسِ بِكَ بِحَقِّ الصُّحْبَةِ أُمُّكَ ثُمَّ أُمُّكَ ثُمَّ أُمُّكَ ثُمَّ أَبُوكَ ﴾ ، وَقِيلَ : الْأَبُ أَعْظَمُ لِأَنَّهُ الْمَأْخُوذُ بِمُؤْنَتِهِ كُلِّهَا وَبِجِنَايَتِهِ الَّتِي هِيَ دُونَ الثُّلُثِ بِلَا أَمْرِهِ إذَا كَانَ غَيْرَ بَالِغٍ ، وَيُجَابُ بِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ فِي مُقَابَلَةِ كَوْنِ كَسْبِهِ لِأَبِيهِ فِي الْحُكْمِ الظَّاهِرِ ، وَفِيهِ بَحْثٌ يَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَلِأَنَّ لَهُ نَزْعُ مَالِهِ بِالْحَاجَةِ كَذَا ظَهَرَ لِي فِي التَّعْلِيلِ وَالْجَوَابِ ، وَمِمَّا رَجَحَ بِهِ الْأَبُ أَنَّهُ يَتَوَلَّى بِوِلَايَةِ الْأَبِ وَيُوقَفُ فِيهِ بِبَرَاءَةِ الْأَبِ وَبِالْوُقُوفِ فِيهِ وَأَنَّهُ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِحُكْمِ أَبِيهِ فِي الطَّهَارَةِ وَالنَّجَاسَةِ مِنْ الْبَلَلِ ، وَأَنَّ الْأَبَ هُوَ الَّذِي يُزَوِّجُ بِنْتَهُ وَمَا مَلَكَتْهُ لَا الْأُمَّ ، وَأَنَّ الْوَلَدَ يُسْبَى وَيُمْلَكُ بِالنَّظَرِ إلَى أَبِيهِ الْمُشْرِكِ وَيُجَابُ بِأَنَّهُ لَا مَشَقَّةٌ عَظِيمَةٌ فِي ذَلِكَ

٣٬٩٤٨ / ١٧٬٤٣٨