شرح النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

باب في حق الصاحب

الجزء ٩ · صفحة ١٧٢

( وَلَا يُنَاجِي كُلٌّ عَنْ صَاحِبِهِ ) التَّنَاجِي : التَّكَلُّمُ الْوَاقِعُ بَيْنَ اثْنَيْنِ بِإِخْفَاءٍ عَنْ غَيْرِهِمَا ، أَوْ بَيْنَ أَكْثَرَ مِنْ اثْنَيْنِ ، وَمِثْلُ التَّنَاجِي الْإِشَارَةُ بِعُضْوٍ أَوْ كَلَامٍ أَوْ غَيْرِهِمَا ، وَالتَّكَلُّمُ بِلُغَةٍ لَا يَفْهَمُهَا ، وَذَلِكَ لَا يَخْتَصُّ بِالصَّاحِبِ ، لَكِنَّ الصَّاحِبَ لَا يُنَاجِي عَنْهُ وَلَا يَفْعَلُ مَا ذَكَرَ مِثْلَ التَّنَاجِي ، وَلَوْ كَانَ مَعَ ذَلِكَ الصَّاحِبِ رَجُلٌ أَوْ رَجُلَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ أَوْ أَكْثَرُ ، لَا بَأْسَ بِذَلِكَ بِحَضْرَةِ غَيْرِ الصَّاحِبِ إذَا بَقِيَ مَعَ ذَلِكَ الصَّاحِبِ أَحَدٌ وَلَوْ امْرَأَةٌ أَوْ طِفْلٌ أَوْ مَجْنُونٌ ، فَمَفْهُومُ حَدِيثِ : ﴿ لَا يَتَنَاجَ اثْنَانِ عَنْ وَاحِدٍ ﴾ " مَخْصُوصٌ بِغَيْرِ الصَّاحِبِ ، وَقِيلَ : غَيْرُ مَخْصُوصٍ بَلْ يَجُوزُ تَنَاجِي صَاحِبٍ عَنْ الصَّاحِبِ الَّذِي مَعَهُ إنْسَانٌ ( وَلَا يَأْكُلُ أَوْ يَشْرَبُ دُونَهُ ) قَبْلَ حُضُورِهِ لِلْأَكْلِ ( بِلَا ضَرُورَةٍ إلَّا بِإِذْنِهِ ) ، غَيْرَ أَنَّ قَوْله تَعَالَى : ﴿ لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ ﴾ الْآيَةَ ، يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْأَكْلِ قَبْلَ حُضُورِهِ لِلْأَكْلِ عَلَى مَا قِيلَ : إنَّهُمْ إذَا سَافَرُوا جَعَلُوا طَعَامَهُمْ فِي مَكَان وَاحِدٍ ، فَإِذَا غَابَ وَاحِدٌ انْتَظَرُوهُ مَخَافَةَ الْإِثْمِ ، فَنَزَلَتْ الْآيَةُ إبَاحَةً لِلْأَكْلِ بِلَا حُضُورٍ مِنْهُ وَلِغَيْرِ ذَلِكَ ، وَجَازَ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ لِضَرُورَةٍ بِلَا إذْنٍ مِنْهُ .

وَكَذَا التَّنَاجِي ، وَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي التَّنَاجِي أَوْ الْأَكْلِ أَوْ الشُّرْبِ بِطِيبِ نَفْسِهِ فِي غَيْرِ ضَرُورَةٍ جَازَ ، وَهَذَا مَعْلُومٌ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُ فَيُبَاحُ إذَا أَبَاحَهُ ، وَلَكَ أَنْ تُرْجِعَ قَوْلَهُ : بِلَا ضَرُورَةٍ ، وَقَوْلَهُ : إلَّا بِإِذْنِهِ ، إلَى قَوْلِهِ : وَلَا يُنَاجِي كُلٌّ عَنْ صَاحِبِهِ وَلَا يَأْكُلُ أَوْ يَشْرَبُ دُونَهُ فَقَطْ ، بِنَاءً عَلَى إرْجَاعِ الِاسْتِثْنَاءِ بَعْدَ جُمْلَتَيْنِ فَصَاعِدًا إلَى جَمِيعِهِنَّ ، لَا إلَى تَالِيَتِهِ فَقَطْ ، أَوْ مَعَ مَا يَتَّصِلُ بِهَا ، وَالْقَيْدُ كَالِاسْتِثْنَاءِ فِي ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُ : بِلَا ضَرُورَةٍ ، وَإِذَا أَرْجَعْنَاهُمَا إلَى

٤٬١٧٢ / ١٧٬٤٣٨