باب في حق ابن السبيل
الجزء ٩ · صفحة ٢٠٥( وَالضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَفَوْقَهَا صَدَقَةٌ ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ مَعْنَى الْحَدِيثِ فَقَالَ : يُكْرِمُهُ وَيُتْحِفُهُ يَوْمًا وَلَيْلَةً ، وَثَلَاثَةُ أَيَّامٍ ضِيَافَةٌ فَتِلْكَ أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ ، هَذَا ظَاهِرُ الْعِبَارَةِ ، وَقِيلَ : يَتَكَلَّفُ لَهُ فِي الْأَوَّلِ بِالْبِرِّ وَالْأَلْطَافِ ، وَفِي الثَّانِي وَالثَّالِثِ يُقَدِّمُ لَهُ مَا حَضَرَهُ ثُمَّ يُعْطِيهِ مَا يَجُوزُ بِهِ مَسَافَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ، وَتُسَمَّى الْجِيزَةَ وَهِيَ قَدْرُ مَا يَجُوزُ بِهِ الْمُسَافِرُ مِنْ مَنْهَلٍ إلَى مَنْهَلٍ ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ الْآخَرُ : ﴿ أَجِيزُوا الْوُفُودَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ ﴾ " ، وَقِيلَ : إنَّ الْمُرَادَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فَقَطْ ، يُسَمَّى أَوَّلُهَا الْجَائِزَةَ لِأَنَّهُ يُتْحَفُ فِيهَا ، وَيُقَدِّمُ لَهُ فِي الْيَوْمَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ مَا حَضَرَ ، فَأَوَّلُ الْحَدِيثِ بَيَانٌ لِحَالِ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ وَآخِرُهُ بَيَانٌ لِحَالِ الضِّيَافَةِ أَنَّهَا ثَلَاثَةٌ ، وَفِي رِوَايَةٍ : ﴿ الضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَجَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ ﴾ " وَهَذَا كَاَلَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الِاحْتِمَالِ لِأَنَّ الْوَاوَ لَا تُرَتِّبُ ، وَقِيلَ : هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ رَابِعُهَا هُوَ الْمُسَمَّى بِجَائِزَةٍ وَيُجِيزُهُ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : جَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ بَيَانًا لِحَالَةٍ أُخْرَى ، وَذَلِكَ أَنَّ الضَّيْفَ إنْ أَقَامَ فَحَقُّهُ ثَلَاثَةٌ ، وَإِنْ لَمْ يَقُمْ أُعْطِيَ مَا يَجُوزُ بِهِ يَوْمًا وَلَيْلَةً ، وَفِي قَوْلِهِ : وَفَوْقَهَا صَدَقَةٌ ، إشْعَارٌ بِأَنَّ الثَّلَاثَةَ وَاجِبَةٌ بَعْدَ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ الْمُسَمَّى بِالْجَائِزَةِ كَوُجُوبِ الْجَائِزَةِ ، وَإِشَارَةٌ إلَى أَنَّ مَا بَعْدَ الثَّلَاثَةِ سِوَى الْجَائِزَةَ نَفْلٌ وَتَنْفِيرٌ لِأَنَّ الْكَثِيرَ مِنْ النَّاسِ يَأْنَفُونَ عَنْ أَكْلِ الصَّدَقَةِ خُصُوصًا الْأَغْنِيَاءَ .
وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : الْجَائِزَةُ غَيْرُ وَاجِبَةٍ ، وَالضِّيَافَةُ وَاجِبَةٌ ، وَهِيَ ثَلَاثَةٌ لِأَنَّ الْجَائِزَةَ تَفَضُّلٌ وَإِحْسَانٌ أَيْ كَمَا ذَكَرَ فِي قَوْلِهِ : { أَجِيزُوا الْوُفُودَ