مجلة الحياة، العدد 16 مجلة الحياة

08 باحامد- حكم مزنية الرجل ومزنية غيره

الجزء ٩ · صفحة ١٠٨

حرمة، وأعظم إثماً، وأقبح فاحشة، لما عرف من فجورها، وعرفت من فجوره. وربما كان تزويجه بها، لما عرف منه، وما عرفت منه. وهذا أشد من القذف. وإذا صح التحريم في الأخف، كان الأشد أحق أن لا يجوز»(1)، فالشيخ هنا يحرم ذلك وينقل إجماع السلف فيما ذهب إليه، وقد أشار إلى هذا ابن خلفون الإباضي في أجوبته بعد أن قاس حرمة المرأة المزني بها، بحرمة المرأة الملاعنة على زوجها فقال: «وحجة أصحابنا ومن قال بقولهم بالمنع من نكاح الزانيات على كل حال، لما حكم الله باللعان، وجاءت السنة بالفرقة بينهما، والحكم بأن لا يجتمعا أبدا بالذي رماها به زوجها من الزنا الموجب للعان الذي ذكر الله بين الزوج والمرأة، فكانت العلة للفراق بأن لا يجتمعا ادعاؤه عليها وهي منكرة، وجب في القياس إن كان فجر بها أحرى وأحق ألا تحل له أبدا، ويلزمه فراقها إذا تزوجها لاستواء العلة الجامعة للأمرين، بل زناه بها أعظم في القياس»(2)، وهذا القياس في الحقيقة بديع، لتساوي العلة، إذ كيف تحرم الملاعنة مع أن العلاقة الزوجية علاقة وطيدة، ولا تحرم المزني بها، وعلاقتها مع الزاني بها لم تقم على أي أساس، إلا الفجور والتشهي واتباع الهوى، فالأولى والأحرى أن تحرم المزنية بها، ورأي الإباضية في الحقيقة مبني على القاعدة الفقهية المعمول بها: "من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه"، فالزاني والزانية استعجلا أمرا قبل أوانه فالشرع يعاقبها بحرمانه، فلكل شيء أوان، وإلا فإن الفساد في الحقيقة سيكثر، ورأي الإباضية في الموضوع يسد ذريعة الفساد.

ب كما قاس الإباضية حرمة نكاح المزني بها، بحرمة الموطوءة في العدة، فقد أجمع أهل العلم أنه من نكح في العدة متعمدا أو وطئ فيها أنه يفرق بينهما، ولا يجتمعان أبدا، وقيل إن أول من قضى بهذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، وقد عمل بهذا الإمام مالك والليث والأوزاعي وأحمد بن حنبل كما روي عن علي بن أبي طالب(3). فلو أمعنا النظر في وجه القياس لوجدنا أن التحريم في حال الزنا أولى وأحرى منه في الموطوءة في العدة، لأن في الزنا لزوم الحد، والتفريق، أما في العدة فكما ثبت عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه فرق بينهما ولكنه لم يرجمهما للشبهة الواردة، إذ القاعدة الشرعية الفقهية تقضي بأن تدرأ الحدود بالشبهات، فإذا كان الحكم يقضي بالتفريق في وطء فيه عقد فكيف بزنى صريح لا وجود لرائحة العقد فيه أصلا حتى ولو كان فاسدا(4)، كما أنهم قالوا: إن من احتج بإباحة نكاح الزاني لمزنيته إنما استدلوا بظواهر النصوص، وهي في حقيقة نصوص ليس فيها ما يدل على إباحة نكاحها، فقد احتجوا بحديث جابر بن عبد الله الذي قال: إن امرأته لا ترد يد لامس، ظاهره على المخالطة للرجال، وترك التحفظ منهم على نفسها، والثابت عن ابن مسعود وابن عباس وجابر بن زيد أنهم قالوا: لا يتزوجها باغيا ولا تحل له أبدا(5).

المطلب الثاني: حكم نكاح الزاني لمزنيته عند المالكية:

ذهب المالكية وبعض المذاهب الإسلامية إلى القول بجواز نكاح الرجل للمرأة التي زنى بها، على خلاف ما ذهب إليه جمهور العلماء من الإباضية، وقد نسب المالكية قولهم واعتمدوا فيه على حكم بعض الصحابة والتابعين، مثل: عبد الله بن عمر، عبد الله بن عباس، وأبي بكر الصديق من الصحابة، وسعيد بن جبير، وسعيد بن المسيب، ومجاهد من التابعين وغيرهم(6)، وقد استدلوا كما استدل أصحاب القول الأول بعدة أدلة من القرآن والسنة والقياس أيضا مما يشمل أقوال العلماء وترجيحاتهم، وسوف يعرض الباحث هذه الأدلة على النحو الآتي:

1 - من القرآن:

قوله تعالى: ژ الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ژ(7)، قالوا إن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ژ وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ژ(8)، فقال ابن عمرو إن الزانية داخلة في إيماء المسلمين، ومما يروى عن أبي جعفر النحاس قوله: «وهذا القول عليه أكثر العلماء، وأهل الفتيا يقولون: إن من زنى بامرأة فله أن يتزوجها، ولغيره أن يتزوجها، وهو قول عمر وسالم وعطاء … »(9)، وعلى هذا التأويل فإن نكاح الزاني بمن زنى بها ليس بحرام، ولكن مع اشتراط بعض الشروط كالتوبة والأوبة والصلاح، وهذا ما ذكر عن بعض العلماء، وقد أورد الأستاذ مصطفى أرشوم كلام القرطبي حيث قال: «وقد تأول الجمهور مدلول هذه الآية

(1) - خميس الشقصي، منهج الطالبين، ج: 15، ص: 168.

(2) - ابن خلفون، الأجوبة، ص:40.

(3) - مصطفى أرشوم، النكاح، ص: 246.

(4) - المصدر نفسه، ص: 246.

(5) - ابن خلفون، الأجوبة، ص: 40.

(6) - محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد ابن رشد القرطبي، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، تح: ماجد الحموي، ط1، دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، 1416هـ، 1995م، ج: 3، ص: 1003.

(7) - سورة النور، الآية: 3.

(8) - سورة النور، الآية: 32.

(9) - أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري، الجامع لأحكام القرآن، تح: أبو إسحاق إبراهيم اطفيش، ج: 12، ص: 169.

١٠١ / ٣٠٤