08 باحامد- حكم مزنية الرجل ومزنية غيره
الجزء ٩ · صفحة ١١٥أن يوحيه الله تعالى إليه، ففي طاعة الرسول طاعة لله - عز وجل -.
وقيل إن هذه الآيات لم تنزل في مرثد بن أبي مرثد وإنما نزلت في امرأة أب جمال، كان يقال لها (أم مهزول)، فقد كانت امرأة بغيا، تزني مقابل أن يُنفق عليها، فرغب أحدهم بالاقتران بها فاستأذن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك فأنزل الله تعالى هذه الآيات المحكمات(1)، وقيل إنها نزلت في أهل الصفة، فقد كانوا قوما من المهاجرين يبيتون بالمسجد في المدينة، بعد أن ينهكم عمل النهار، وكان في المدينة بغايا معروفات بالفجور، وكنَّ نساء لا يشتكين ضعف مأكل أو مشرب، فأراد هؤلاء الرجال من الصفة أن يقترنوا بهن، حتى يشاركوهن المسكن والمطعم، فاستشاروا النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك فأنزل الله تعالى آياته الواضحات(2)، ونكاح المرأة الزانية في الحقيقة من رجل عفيف ليس بزان فيه ما فيه من الثقل على النفس، وقد أشرنا إلى أن الثقة هي أساس الحياة الزوجية بين الزوجين، فمتى ما تزعزعت الثقة بين الزوجين، فتح المجال واسعا للرياح الهوجاء فتعصف بتلك العلاقة الزوجية، فمن تزوج بغيا لا يأمن منها أن تعود لفعلتها الأولى، ولو لم تعد بتوبتها وإنابتها إلى الله تعالى، فإن ذلك سيبقى خرما في كرامتها، فمتى أخطأت في حق زوجها بادرها بذكر ماضيها الذي تابت عنه، ولربما رجعت بفعل تلك الذكريات المريرة، فيكون مآل تلك الأسرة الضياع، وضياع الأبناء عن وجدوا، فما ألجأ المحصن العفيف إلى اللجوء إلى تلك الزانية، والله سبحانه وتعالى ما كان ليشرع أمرا إلا وقد راعى فيه مصالح المكلفين.
المطلب الرابع: حكم نكاح الزاني لمزنية غيره عند المالكية وبعض الإباضية:
يرى المالكية وبعض الإباضية أن زواج العفيف أو الزاني لمزنية غيره أمر لا حرج فيه شرط التوبة النصوح والإقلاع عند ذلك لأن الذنب مطهر للإنسان، يقول الشيخ مصطفى أرشوم: «ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة وبعض الإباضية إلى جواز نكاح الرجل مزنية غيره، شأنه في ذلك شأن المرأة التي زنى بها إلا أنهم اختلفوا في وجوب التوبة واستبرائها من الزنا … »(3)، مع أن المالكية والإباضية الذين أجازوا نكاح مزنية الغير، لم يقصروا استبراء الرحم على الزانية الحامل فحسب بل عمموه على كل من ثبت منها أنها كانت بغيا، حتى لا يختلط ماء الطهارة بماء القذارة، وقد استدل المالكية لصحة ما ذهبوا إليه بما سبق من الأدلة التي أوردوها في جواز نكاح الرجل لمزنيته، فلا يسوغ إعادتها لأن الباحث قد ذكرها وفصل فيها الحديث، ولعل هذا من باب أولى وأحرى، فبما أنهم أجازوا نكاح الزاني لمزنيته، فإن نكاحه لمزنيته غيره سائغ وفق نظرهم(4)، ومن بين الإباضية المتأخرين - الذين يرون رأي المالكية- فضيلة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي وهذا من خلال ما ذكره في بعض فتاواه يقول: «إن ثبت أنها زانية فسرحها، فإن الله تعالى يقول: ژ الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ژ(5)، هذا إن لم تتب، أما إن تابت توبة نصوحا فما عليك في الاستمساك بها فإن التوبة طهارة من الذنب»(6)، كما أن الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض من المغاربة لا يرى في ذلك بأسا شرط التوبة النصوح والأوبة إلى الله تعالى، يقول الشيخ في إحدى الفتاوى التي يجيب فيها احد السائلين كان قد سأله، عن حكم نكاح الزانية؟، فأجابه الشيخ بقوله: «إن نكاح الزانية مختلف فيه بين علماء الأمة من عهد الصحابة - رضي الله عنه -، فطائفة حرمته بتاتا، وطائفة أجازته على كراهة، إذ لا يحسن بالمسلم أن يدنس شرفه أو يُسقط كرامته بالاقتران ببغي لا يأمن أن تحن إلى سالف عهدها فتخونه، وعلى كل حال فإن الزانية إن تابت توبة نصوحا وندمت على ما فرط منها وأرادت بالنكاح الإحصان والتعفف فما نرى في نكاحها من بأس، إن شاء الله تعالى»(7)، وقد نسب الأستاذ مصطفى أرشوم هذا القول إلى الشيخ سعيد بن خلف الخروصي والشيخ أحمد فقال في خضم حديثه عن الحكم الشرعي لنكاح الزانية: «ومن أبرز فقهاء الإباضية المتأخرين القائلين بهذا الرأي، الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، والشيخ سعيد بن خلف الخروصي وغيرهما، وقد خالفوا بذلك رأي فقهاء المتقدمين»(8)، وفي هذا تيسير في الحقيقة ورفع للحرج، وإنقاذ للزناة من وحل الرذيلة، وهذا مما تقتضيه مصلحة الشارع، فمن تاب وأصلح فأجره على الله تعالى، والله يعلم
(1) -عن عبد الله بن عَمْرو: أن رجلاً من المسلمين استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم: في امرأة يقال لها أُمّ مَهْزُولٍ، وكانَتْ تُسافح، وتشترطُ له أن تُنْفق عليه؟ قال: فاستأذَنَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو ذَكَرَ لَهُ أَمْرَها؟ قال: فقرأ عليه نبيّ الله صلى الله عليه وسلم: «﴿الزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إلاّ زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾» (النور: 3).
(2) - مصطفى أرشوم، النكاح، ص: 254، 255.
(3) - مصطفى أرشوم، النكاح، ص: 256.
(4) - يُنظر: ابن رشد، بداية المجتهد، ج: 3، ص: 1003.
- يُنظر: أبو الوليد سليمان بن خلف بن سعيد بن أيوب الأندلسي المالكي (ت: 494هـ)، المنتقى شرح موطأ الإمام مالك، مطبعة السعادة، مصر، دار الكتاب العربي بيروت، دت ن، ج:3، ص: 315،
(5) - سورة النور، الآية: 3.
(6) - أحمد بن حمد الخليلي، فتاوى النكاح، إعداد: قسم البحث العلمي بمكتب الإفتاء، وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، ط1، 1423هـ، 2002م، الكتاب الثاني، ص: 167.
(7) - الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض، الفتاوى، ص: 356.
(8) - مصطفى أرشوم، النكاح، ص: 257.