08 باحامد- حكم مزنية الرجل ومزنية غيره
الجزء ٩ · صفحة ١١٨تنكح من تهوى من الرجال الأعفاء أيضا، مع توبتها وصلاحها وأوبتها إلى الله تعالى، أدعى إلى التشجيع على سلوك طريق الاستقامة وإصلاح المجتمع الإنساني، وهذا والله أعلم من تمام فهم مقاصد الشريعة الإسلامية، حتى لا تبقى الزانية المخطئة - بعد استشعارها لذنبها وخطئها وتوبتها منه- محط أنظار الذين لا يرقبون في مؤمن إلا ولاذمة، فيعودوا بها لا قدر الله إلى ربقة الفساد والشهوة.
كما أن من يرى عدم تحريم نكاح الزانية على الإطلاق، لم يكن قوله عبثا فقد راعى في ذلك مقصد الحفاظ على الأعراض، وهو أدعى إلى الستر، وهو من باب التيسير على الناس والحفاظ على الأسر والأنساب والأعراض، ولا أحد يستطيع إنكار أن كل صاحب رأي في المسألة له نية صالحة وفق ما ثبت عنده من الأدلة.
العلاقة الزوجية في حال زنا أحد الزوجين عند الإباضية والمالكية
المطلب الأول: حكم العلاقة الزوجية في حال زنا أحد الزوجين عند الإباضية:
أ-الحكم الشرعي في حال زنا أحد الزوجين:
تقدم في المطالب الماضية حكم الارتباط بين الزانية والزانية سواء كان الزنا بين الرجل والمرأة، أو بين زانية وعفيف، أو العكس، وبين الزاني والزانية المختلفين، فقد تناول الباحث الحكم الشرعي لهذه المسألة قبل الزواج، وفي هذا المبحث سيتناول الباحث حكم العلاقة الزوجية بعد الزواج، فما حكم هذه العلاقة فيما لو زنى أحد الزوجين عند الإباضية والمالكية؟:
يرى جمهور الإباضية أن العلاقة الزوجية في حال زنا أحد الزوجين وعلم الآخر بذلك، بأي طريقة كان العلم سواء بالإقرار أو المعاينة، فإن هذه العلاقة تنقطع بينهما، ويحرم كل واحد منهما على الآخر، بخلاف ما لو زنى أحدهما دون علم الآخر بغير القريبة فإن الإثم يلحق الزاني منهما، ولا تؤول العلاقة إلى الحرمة، وهذا مراعاة لمقصد من مقاصد الشارع الحكيم، فلو زنى الرجل بإحدى قريبات زوجته كأمها أو بنتها مما ينتج عنه التحريم بالمصاهرة فإن الزوجة تحرم عليه قطعا، علمت الزوجة بذلك أولم تعلم، كما أن الزوجة لو زنت بأحد أقرباء زوجها مما ينتج عنه التحريم بالمصاهرة، فإنها تحرم عليه علمت أو لم تعلم(1)، وفي حال زنى الزوج بأخت زوجته فإن الإباضية يرون أنه لا تحرم عليه زوجته باعتبار أنه جمع بين الوطأين إلا إن أقر بذلك أو شوهد مع استيفاء شروط الشهادة في ذلك، إلا أن جابر بن زيد خالفهم في ذلك ولم يفرق بين الإقرار وغيره، بل اعتبر أن الزوج لو زنى بأخت زوجته فإن زوجته تحرم عليه مطلقا(2)، وهذا قول الشيخ الجناوني بيانا لما أشار إليه الباحث: «وإذا زنت المرأة وعلم الزوج بزناها فقد حرمت عليه أبدا، وكذلك إن زنى الرجل وعلمت المرأة بزناه فقد حرم عليها، وإن لم يعلم بزناها ولم تعلم بزناه فلا يقع التحريم بينهما، إلا إن زنت بمن يحرمها عليه ممن ذكرناه من آبائه وأبنائه، فقد حرمت عليه علم بذلك أو لم يعلم، وكذلك إن زنى الزوج ولكم تعلم المرأة بزناه فلا يحرم عليها، إلا إن زنى بمن يحرمه عليها زناه ممن ذكرنا من أمهاتها أو بناتها أو أخواتها، فقد حرم عليها علمت أو لم تعلم»(3).
ب-الأدلة التي اعتمدها الإباضية في صحة ما ذهبوا إليه:
استدل الإباضية على أقوالهم بما فعله الإمام علي كرم الله وجهه، فقد ثبت عنده أن رجلا عقد على امرأة ثم زنى بغيرها قبل الدخول بها، فما كان من أمير المؤمنين إلا أن فرق بينهما، وأقام عليهما الحد.
ولعل هذه المسائل التي سيوردها الباحث على غرار ما ذكر الأستاذ مصطفى أرشوم ستبين أكثر موقف الإباضية من هذه العلاقة، وقد أورد هذه المسائل الشيخ خميس الشقصي في كتابه منهج الطالبين وبلاغ الراغبين:
1 - «وإن علم رجل من زوجته الزنا، فله أن يحتال، في استخراج حقه منها وإخراجها.
2 - إذا اطلعت الزوجة على الزنا من زوجها، فلها أن تحتال في أخذ حقها منه، وخروجها منه.
ومن جواب أبي الحواري (رحمه الله) في رجل دخل على امرأة، في الليل: فجامعها، وهي تظن أنه زوجها. فلما علمت أنه غير زوجها، صاحت عند ذلك، وأعلمت زوجها بذلك. أله أن يصدقها؟.
قال: ليس له أن يصدقها. وإن صدقها على ذلك، لم تحرم عليه زوجته. وليس هذا بمنزلة الزنا.
3 - وفي الضياء: إن زنت المرأة بأخي زوجها، فليس لها أن تقيم مع زوجها. وقد فسدت عليه. وإن لم يعلم، فلا ينبغي لها أن تغره من نفسها، وقد زنت بأخيه.
4 - وإن سُبِيتْ نساء، ولم يكن لهن أزواج. ثم رجعن إلى المسلمين. ولا يدري أهن وُطئن أم لا، فلا بأس بتزويجهن. ومن تنزه عنه، فهو أحسن له.
(1) - البسيوي، الجامع، ج: 3، ص: 28.
(2) - المصدر نفسه، ج: 3، ص: 28.
(3) - مصطفى أرشوم، النكاح، ص: 258. هذا القول عن الشيخ الجناوني واللفظ فيما يحسب الباحث للأستاذ مصطفى أرشوم لأنه لم يضع علامات الاقتباس داخل النص.