09 دوادي- الاستعارة القرآنية أثرها النفسي
الجزء ١٠ · صفحة ١٢٩ومن العوامل المساعدة على إحداث التأثير النفسي في التعبير الاستعاري استعمال التشخيص أو التجسيم ونقل المعنوي في صورة المحسوس مما يجعل المعنى مشخصا وماثلا للعين ويكاد يؤثر تأثير الحقيقة المحسوسة، لذلك فإن (بعض البلاغيين العرب استعانوا بآيات من القرآن الكريم في تنظيرهم لظاهرة التشخيص ومن هؤلاء "الرماني" (ت 386 هـ) إذ اعتبر في كتابه " النكت في إعجاز القرآن" أن إظهار المعنى المجرد في الصورة الحسية تمثل أمامنا وتتجسد، ويجعل من الكلام أكثر بيانا وأكثر قوة إبلاغية، ويستمد الرماني حجته على ما يذهب إليه من القرآن الكريم حيث تقول آية منه ژ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا ژ(1)، ويعلق الرماني على هذه الآية الكريمة بالقول: وهذا بيان قد أخرج ما لا تقع عليه الحاسة إلى ما تقع عليه، وقد اجتمعا في بطلان المتوهم مع شدة الحاجة وعظيم الفاقة ولعل الرماني في تعليقه على هذه الآية كشف عن بعد آخر في ظاهرة التشخيص فالتأثير النفسي الإبلاغي على المتلقي يكون أكبر حجما فيما لو ربطنا (شبهنا) في الصورة الشعرية بين ما تستطيع أن تقع عليه الحواس وبين ما لا تستطيع أن تقع عليه والمثال موجود في سورة النور حيث أن الآية الكريمة ربطت بين (سراب بقيعة) وهو سراب يشاهده الظمآن في الصحراء فيظنه ماء (والسراب لا تطوله ولا تقع عليه الحواس) وبين الماء (وهو شيء تقع عليه الحواس)(2)، ومن ثم فإن عناصر التصوير المشخص أكثر تأثيرا في النفس وأعظم اتساقا في تجسيد المعنى وفي هذه الآية، نلمح سرعة في الحركة ولهفة لإنقاذ الظامئ من الموت المؤكد في صحراء قاحلة، فالدافع النفسي هو الإسراع في القبض على هذا الأمل هروبا من موت مؤكد ولكن تنقلب الصورة فينقلب الأمل سرابا. وهذا إبراز لحقيقة عمل الكفار الذي لا أمل فيه ولا خير يرجى منه لأنه ميت روحيا وعقليا لكفرهم بالحقيقة.
وقد بين سبحانه بالقرآن الكريم كثيرا من الأعمال والواجبات التي يجب أداؤها وإلا كان العقاب الشديد لتاركها بينما كان الثواب الجزيل لمؤديها، وقد جاءت بأساليب متنوعة منها التعبير بالاستعارة، ومن ذلك الوصف تصوير الله عز وعلا "لجهنم " مثوى الكافرين المتكبرين وتجسيمها بصورة مرعبة لكل نفس مؤمنة تخشى عذاب الله فتقدم لآخرتها كل خالص نية وعمل حيث يقول تعالى: ژ يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ