09 دوادي- الاستعارة القرآنية أثرها النفسي
الجزء ١٠ · صفحة ١٣٢فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (22) ژ(1)، وكأن هذا الإنسان الذي وصفه تعالى جعل الغفلة غطاء «جعلت الغفلة كأنها غطاء غطى به جسده أو غشاوة غطى بها عينيه فهو لا يبصر شيئا، فإذا كان يوم القيامة تيقظ وزالت الغفلة عنه وغطاؤها فيبصر ما لم يبصره من الحق ورجع بصره الكليل عن الإبصار لغفلته حديدا»(2)، ومن الجوانب النفسية التي تعتري الإنسان في دنياه ويلقى نتيجتها في أخراه الغفلة واتباع خطوات الشيطان فقد ورد التعبير عن هذا الجانب النفسي السلوكي بأسلوب الاستعارة ويشرح الشريف الرضي الآية بقوله: «وهذه استعارة والمراد بها ما يراه الإنسان عند زوال التكليف عنه من أعلام الساعة وأشراط القيامة فتزول عنه اعتراضات الشكوك وشبهات الأمور فيصدِّقُ بما كذّب ويقر بما جحد ويكون كأنه قد نفذ بصره بعد وقوف وأحدّ بعد كلال ونبؤ فهذا معنى قوله سبحانه ژ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ژ»(3).
وتشبيه البصر بالحديد تشبيه بليغ تظهر فيه كذلك الحالة المضادة للحالة الأولى المتمثلة في الغفلة وكلال النظر وضعف الإدراك، فإن الله بقدرته يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وأبرزت هذه الآية وما ورد فيها من تعبير استعاري لإيضاح قوة التأثير التي يحدثها هذا المفهوم لكل متبصر واع يرجو أن يكون من الواعين العاقلين المتدبرين المستعملين لعقولهم لكي يلقوا الجزاء والثواب الجزيل يوم يقف الخلق أمام رب العرش العظيم، فبمزيد من التفكر والإدراك للآية وما حوته من بيان يستعمل ذوو العقول إدراكهم في الدنيا ولا يكونوا من الغافلين. والتطرق لهذا الجانب النفسي في إطار الدراسات البلاغية الأسلوبية هام إذ «أصبح من المتيقن حاليا أن دراسة صور البيان من وجهة النظر النفسية أكثر وعدا بالإثمار، وهنا يكمن حقل خصيب يترقب الزرع، في التشبيه نجد الأفكار عند الخلق فنحن نطلق العقل المشغول بعمله المثير في الاستبدال وتحقيق الذات وفي جهده لتركيب العواطف والتأكيد … »(4) وإننا نقف مبهورين عند هذه التعابير الاستعارية لما تتركه من تأثيرات في نفوسنا لأنها تدعو إلى إتباع الحق ونبذ الباطل، ولن يكون التأثير النفسي ايجابيا إلا بترجمة سلوكية مجدية.
«ولا شك أن التعبير الاستعاري في القرآن أو الحديث أو الشعر والنثر أو حتى في الكلام العادي التلقائي يحوي شحنات انفعالية ومؤثرات نفسية لأن المجاز مظهر من مظاهر توق الإنسان إلى تكسير طوق اللغة للاستكشاف ما يعتمل في أغوار نفسه وفي مجاهل العالم الذي يحتويه، وهو نوع من الصراع بين الإتباع والإبداع، بينما يستطيع بحكمة تكوينه إدراكه وبين ما تسمح به آلة اللغة في التعبير … »(5)، لذلك فقد عني دارسو القرآن الكريم بإيضاح الأسلوب البياني المتميز لهذا الكتاب السماوي الخاتم الذي أعجز العرب، وقد خاطب من خلاله عز وجل العرب بأساليبهم وبلغتهم المتميزة بتوظيفها للصور البيانية والأسلوب التأكيدي للمعاني بقوة اللفظة وإيحاء العبارة وفاقهم في ذلك، «وهذا الأسلوب فإنما هو مادة الإعجاز العربي في كلام العرب كله، ليس من ذلك شيء إلا وهو معجز … وقد استيقن بلغاء العرب كل ذلك فاستيأسوا من حق المعارضة، إذ وجدوا من القرآن ما يغمر القوة ويحيل الطبع ويخاذل النفس مصادمة لا حيلة ولا خدعة»(6).
وقد كانت مناحي الإعجاز القرآني متعددة ومتنوعة ومنها التأثير الروحاني القوي الذي يسيطر على النفس المؤمنة بالفطرة والمستعملة عقلها في التعرف على ملكوت الله وقدرته والقرآن إحدى تلك الإقتدارات الإلهية البديعة، فأشار الرماني مثلا في كتابه " النكت في إعجاز القرآن " إلى الاستعارة وشروط حسنها التي يتممها على أسس جمالية ونفسية قريبة من البحوث الحديثة، إذ يراعي صلة الاستعارة بعناصر الحس المختلفة … ، ويربط بين جمال الاستعارة والحواس المختلفة، ويؤكد دور التعبير في إثارة العواطف والانفعالات عن طريق مخاطبة هذه الحواس(7).
ففي قوله تعالى: ژ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا ژ(8) «النشر ههنا مستعار وحقيقته أظهرنا به النبات والثمار، والأشجار فكانت كمن أحييناه بعد إماتته، فكأنه قيل أحيينا به بلدة ميتا في قوله أنشر الله الموتى فنُشروا وهذه الاستعارة أبلغ من الحقيقة لتضمنها من المبالغة ما ليس في " أظهرنا " و" الإظهار " في الإحياء والإثبات إلى أنه في الإحياء أبلغ»(9) فتوظيف اللفظة الموحية في هذا التعبير الاستعاري
(1) -سورة ق، الآية 22.
(2) -الزمخشري، الكشاف، ج4، ص7.
(3) -الشريف الرضي، تلخيص البيان، ص292.
(4) -مصطفى الصاوي الجويني، البلاغة العربية تأصيل وتجديد، منشأة المعارف بالإسكندرية، ص 152.
(5) -حمادي صمود، التفكير البلاغي عند العرب، ص 429.
(6) -مصطفى صادق الرافعي، إعجاز القرآن والبلاغة النبوية، مكتبة رحاب الجزائر، ص188 - 189.
(7) -أحمد عبد السيد الصاوي، مفهوم الاستعارة، منشأة المعارف، الاسكندرية، ط1، 1988، ص133.
(8) -سورة الزخرف، الآية 11.
(9) -أحمد عبد السيد الصاوي، مفهوم الاستعارة، ص 133 - 134.