09 دوادي- الاستعارة القرآنية أثرها النفسي
الجزء ١٠ · صفحة ١٣٧والمعاصرين هو اللفظ المركب المستعمل فيما شبه بمعناه الأصلي تشبيه التمثيل للمبالغة في التشبيه، أي تشبيه إحدى صورتين منتزعتين من أمرين أو أمور بالأخرى ثم تدخل المشبه في جنس المشبه به مبالغة في التشبيه، فتذكر بلفظها من غير تغيير بوجه من الوجوه(1)، كقوله تعالىژ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ژ(2) إذ المعنى أن مثل الأرض في تصرفها تحت أمر الله تعالى وقدرته مثل الشيء يكون في قبضة الآخذ له منا، والجامع يده عليه.
وقد بين الزمخشري (ت 538 هـ) معنى هذه الآية بقوله: « … ويعني أن الأرضين مع عظمهن وبستطهن لا يبلغن إلا قبضة واحدة من قبضاته كأنه يقبضها بكف واحدة ومطويات: من الطي الذي هو ضد النشر كما قال تعالى: «يوم نطوي السماء كطي السجل للكتاب»(3) وعادة طاوي السجل أن يطويه بيمينه وقيل قبضته ملكه بلا مدافع ولا منازع، وبيمينه بقدرته … »(4).
ومضمون الآية حسب رأي الشريف الرضي: « … ومعنى قبضته ههنا أي ملك له خالص، قد ارتفعت عنه أيدي المالكين من بريته والمتصرفين فيه من خليقته، … ومعنى قوله: «والسماوات مطويات بيمينه» أي مجموعات في ملكه ومضمونات بقدرته واليمين ههنا بمعنى الملك يقول القائل: هذا ملك يميني وليس يريد اليمين التي هي الجارحة، وقد يعبرون عن القوة أيضا باليمين فيجوز على هذا التأويل أن يكون معنى قوله تعالى: «مطويات بيمينه» أي يجمع أقطارها ويطوي انتشارها بقوته … »(5).
فبهذا التعبير القرآني الخلاق تظهر لنا البلاغة القرآنية وتبقى القدرة الإلهية مما يدعو إلى التوحيد والإيمان القوي الخالص لله رب العالمين، فنكون قد استنبطنا سرا جماليا للتعبير الاستعاري في القرآن الكريم وهو التدبر وإعمال الفكر فيما خلق سبحانه والتفكر في قدرته عز وعلا فهو القادر المقتدر «ولعل عبد القاهر هو البلاغي القديم الذي تمكن أن يرسم لبلاغة الاستعارة وجمالها مضمارها الحقيقي بالتماس هذا المجال وتلك البلاغة في النظم الذي يجمع الاستعارة بناء فنيا متكاملا مع سائر
(1) -أحمد مطلوب، وكامل حسن البصير، البلاغة والتطبيق، ص 359.
(2) -سورة الزمر، الآية 67.
(3) -سورة الأنبياء، الآية 4.
(4) -الزمخشري، الكشاف - ج 3، ص 409.
(5) -الشريف الرضي، تلخيص البيان، ص 265، 266.