09 دوادي- الاستعارة القرآنية أثرها النفسي
الجزء ١٠ · صفحة ١٣٨الألفاظ التي وردت في تركيبها فقد أشار إلى ضربي الاستعارة العامي المبتذل والخاصي النادر وأكد على أن الضرب الثاني لا يوجد إلا في كلام الفحول، ولا يقوى عليه إلا أفراد الرجال كقول الشاعر:
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا وسالت بأعناق المطي الأباطح(1)
أراد أنها سارت سيرا حثيثا في غاية السرعة، وكانت سرعة في لين وسلامة كأنها كانت سيولا وقعت في تلك الأباطح فجرت بها ومثل هذه الاستعارة في الحسن واللطف وعلو الطبقة في هذه اللفظة في عينها قول الآخر:
سالت عليه شعاب الحي حين دعا أنصاره بوجوه كالدنانير(2)
أراد أنه مطاع في الحي وأنهم يسرعون إلى نصرته، وأنه لا يدعوهم لحرب أو نازل خطب إلا أتوه وكثروا عليه، وازدحموا حواليه حتى تجدهم كالسيول تجيء من هنا وههنا، وتنصب من هذا وذاك حتى يغص بها الوادي ويطفح منها.
وكان لعبد القاهر رأي واضح في سبب بلاغة الاستعارة والعوامل المساعدة على إظهار رونقها وجمالياتها التي تؤثر وتأخذ بمجامع العقول والقلوب وذلك مثل: براعة التشبيه وقدر إخفائه أو كما ورد في دلائل الإعجاز: حسن الاستعارة على قدر إخفاء التشبيه وهذا رأي عبد القاهر مدعما بأمثلة:
«واعلم أن من شأن الاستعارة أنك كلما زدت أرادتك التشبيه إخفاء ازدادت الاستعارة حسنا، حتى إنك تراها أغرب ما تكون إذا كان الكلام قد ألف تأليفا، وإن أردت أن تفصح فيه بالتشبيه خرجت إلى شيء تعافه النفس ويلفظه السمع، ومثال ذلك قول ابن المعتز:
أثمرت أغصان راحته بجنان الحسن عنابا
ألا ترى أنك لو حملت نفسك على أن تظهر التشبيه وتفصح به احتجت إلى أن تقول: أثمرت أصابع يده التي هي كالأغصان لطالبي الحسن شبيه العناب من أطرافها المخضوبة، وهذا ما لا تخفى غثاثته … »(3).
ومن الأمثلة التي أوردها عبد القاهر وتدخل على النفس أريحية ويرتاح لها
(1) -البيت من الطويل، ديوان كثير عزة، ص 525، وبلا نسبة في لسان العرب وفي أساس البلاغة، ص 227 مادة (سيل) /عن المعجم المفصل في شواهد اللغة العربية لإميل يعقوب، المجلد 2، ص 102.
(2) -البيت من البسيط، بلا نسبة في أساس البلاغة مادة (سيل)، ص 227.
(3) -عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، صححه محمد عبده وعلق عليه محمد رشيد رضا، دار الكتب العلمية، بيروت، ص 346.