مجلة الحياة، العدد 16 مجلة الحياة

09 دوادي- الاستعارة القرآنية أثرها النفسي

الجزء ١٠ · صفحة ١٣٩

الإنسان ويجد في نفسه هِزَةً عندها لخفاء التشبيه قول أبي نوا س:

تبكي فتذري الدر عن نرجس … و تلطم الورد بعنَّاب(1)

هذه استعارات تصريحية حذف فيها الشاعر المشبه وأبقى على المشبه به مما أعطى دلالات جمالية فائق، حيث شبه الشاعر الدموع بالدر كأحجار كريمة جميلة متلألئة والعيون بزهور النرجس الوضئية المتألقة، والخدود بالورود الحمراء أو الوردية المتفتحة والأيدي المخضبة بالحناء بالعناب الناطق بهجة وحبورا.

وإن ما ذهب إليه عبد القاهر في تقويم بلاغة الاستعارة وبيان سر جمالها يمثل دعوة نقدية أساسها النظر الشامل في النص الأدبي وتلمس وشائج اللفظ المستعار الممتدة في نفس مبدعها والمتداخلة مع الألفاظ المتكاتفة في سياقها لرسم الصورة بالخطوط والألوان والأشكال والأحجام، فأن نقول: حاجب الشمس، وأنف الجبل، وباح الصباح بسرّه، وشاب رأس الليل، والقلم مزمار المعاني، … هذه الاستعارات وغيرها تمثل الواقع الذي يفرضه الكيان الإنساني، ولا حقيقة للطبيعة خارج هذا الكيان الذي كلما زادت واقعيته مثالية، زاد التشبيه خفاء فزادت الاستعارة جمالا وهذا هو تعديل الطبيعة الحاصل بالمجازات، وإذ ذاك لا تعود سكوتا بل تتحرك، وتنطق وتسمع وترى …(2)

وللسكاكي رأي في شروط حسن الاستعارة وجمال التعبير البياني الاستعاري ليكون مؤهلا لوسمه بالبلاغة والجمال حيث يقول: «وإذ قد عرفت أقسام الاستعارة فاعلم أن الاستعارة لها شروط في الحسن إن صادفتها حسنت وإلا عريت عن الحسن وربما اكتسبت قبحا وتلك الشروط: رعاية جهات حسن التشبيه … بين المستعار له والمستعار منه … »(3).

وموقف السكاكي (ت 626 هـ) يكاد يتطابق مع رأي عبد القاهر الجرجاني وإنما قد أضاف السكاكي شروحا لحسن التعبير الاستعاري حين ربطه بأنواعه المختلفة والعديدة.

كما عقد الآمدي (ت 371 هـ) موازنته بين أبي تمام والبحتري وبين التعابير الاستعارية الموظفة عند كليهما وبين أن الاستعارات التي عابها على أبي تمام «فيها تكلف ومبالغة ممقوتة وتمويه في التصوير وتعقيد، فإن كل ذلك لا يتيح لنا أن نقدر عاطفة الشاعر الصادقة وإحساسه الواعي، فالعاطفة عندما ترتبط بالصورة المعبرة عنها في داخل

(1) -ديوان أبي نواس، ضبطه وشرحه إيليا الحاوي، ج 1، منشورات دار الكتاب اللبناني، ط1، 1983، ص 98.

(2) -كمال يوسف الحاج، في فلسفة اللغة، دار النهار للنشر، بيروت، ط2، 1978، ص 104.

(3) -السكاكي، مفتاح العلوم، ص 387.

١٢٨ / ٣٠٤