09 دوادي- الاستعارة القرآنية أثرها النفسي
الجزء ١٠ · صفحة ١٤٠العمل الفني يكون ارتباطها ارتباطا حيا ناشئا عن معاناة الفنان معاناة حقيقية … »(1).
ويضع عبد العزيز الجرجاني (ت 392 هـ) في الوساطة بين المتنبي وخصومه مقياسا للاستعارة الجميلة، هذا المقياس هو:"قبول النفس لها" فيقول: «فأما الاستعارات فهي أعمدة الكلام وعليها المعول في التوسع والتصرف، وبها يتوصل إلى تزيين اللفظ، وتحسين النظم والنثر، ومنها المستقبح والمستحسن والمقتصد والمفرط وهذا إنما يميز بقبول النفس أو نفورها، وينتقد بسكون القلب ونبوه»(2)، إذن فالقاضي الجرجاني بذلك يدعم الجانب التذوقي في فهم الاستعارة وهو ما لا يخلو منه أي فن(3) فجمال التعبير الاستعاري كفن يزيد في عمق المعنى ويثري الفكر ويريح النفس التائقة دوما إلى المثل الأعلى وإلى العبارة المهذبة والإحساس الوجداني النبيل، وبقدر ما يثير فينا التعبير الاستعاري المعاني الجميلة نحو الأشياء فإنه ينفرنا أحيانا ويصرفنا عن القبح وكل ما هو مستهجن بعيد عن سمو الجمال وبريقه، ويقول الدكتور غنيمي هلال ــــ في هذا المعنى ــــ وقد أقام "ديدرو" معنى الجمال على إدراك العلاقات بين الأشياء والأجزاء، فعنده أن الجميل «هو الذي يحتوي في نفسه وفي خارج نطاق ذاتي ما يثير به فِيّ إدراك فكرة العلاقات، والجميل بالنسبة لي هو الذي يثير هذه الفكرة» ثم يذكر أنا لا نستطيع أن ندرك الجمال في الشيء دون أن نقف على ما يحفّه من قرائن أخرى، … إذ دون الوقوف على العلاقات لا يمكن أن نحكم على النظام والتناسب والتناسق والملاءمة، وهي المعاني التي تدفعنا إلى إدراك الجمال في الشيء الجميل(4).
و الباقلاني بتأليفه في إعجاز القرآن قال: «إن الصور البديعة لا يستفاد من جهتها إعجاز القرآن، وإنما يستفاد الإعجاز ــــ وهو حكم جمالي ــــ من العلاقات التي تقوم بين الجمل المتضمنة للصور البديعية تلك الجمل التي هي عناصر ذلك الكتاب، فمجيئها على نظام خاص عبر عنه الباقلاني بكلمة النظم، هو الذي يستفاد من جهته الحكم الجمالي على هذا الكتاب وأنه بالغ حد الإعجاز … »(5).
والقرآن الكريم معجز بلفظه ومعناه، في كله بحروفه وبكلماته وجمله وصوره وقصصه، وتشبيهاته وكناياته واستعاراته إذ يقف المتدبر متأملا مبهورا أمام سمو
(1) -أحمد عبد السيد الصاوي، مفهوم الاستعارة، ص49.
(2) -عبد العزيز الجرجاني، الوساطة بين المتنبي و خصومه، تحقيق: محمد أبو الفضل ابراهيم وعلي البجاوي، طبعة الحلبي، ص 56.
(3) -أحمد عبد السيد الصاو ي، مفهوم الاستعارة، ص 56.
(4) -عبد الرؤوف مخلوف، الباقلاني و كتابه إعجاز القرآن، دار مكتبة الحياة، بيروت، 1978، ص، 307.
(5) -المرجع نفسه، ص 306.