09 دوادي- الاستعارة القرآنية أثرها النفسي
الجزء ١٠ · صفحة ١٤١بلاغة كلام الله من كل جوانبه، ويستشف الأسرار التي تزيده إيمانا وخشوعا وقدرة على تذوق الجمال الكوني، بكل أبعاده ومختلف زواياه.
قال تعالى: «ژ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ژ(1)، لنتأمل هذه الآية القرآنية التي يصف فيها سبحانه القرآن الكريم الذي تكفل بحفظه لأنه كتاب عزيز بعزة ذي العرش العظيم لا يخالطه باطل ولا يتسرب إليه بهتان لأنه من حكيم مقتدر حميد، «(وإنه لكتاب عزيز) أي منيع محمي بحماية الله تعالى ژ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ژ مثل كأن الباطل لا يتطرق إليه ولا يجد إليه سبيلا من جهة من الجهات حتى يصل إليه ويتعلق به … »(2).
ويبين الشريف الرضي فهمه لهذا التعبير الاستعاري فيقول: «وهذه استعارة، وقد قيل فيها أقوال منها أن يكون المراد بذلك أن هذا الكتاب لا يشبهه شيء من الكلام المتقدم ولا يشبهه شيء من الكلام الوارد بعده وهذا معنى (من بين يديه ولا من خلفه) لأنه لو أشبه شيء من الكلام المتقدم أو الكلام المتأخر لأبطل معجزته وخصم حجته فكان الباطل قد آتاه من إحدى الجهتين المذكورتين إما من جهة أمامه وإما من جهة ورائه وهذا معنى عجيب، وقال بعضهم معنى ذلك أنه لا تعلق به الشبهة من طريق المشاكلة ولا الحقيقة ولا من جهة المناقضة فهو الحق الخالص الذي لا يشوبه شائب ولا يلحقه باطل، وقال بعضهم معنى ذلك أن الشيطان والإنسان لا يقدران أن ينتقصا منه حقا ولا يزيدا فيه باطلا، وقال بعضهم معنى ذلك أنه لا باطل فيه من الأخبار عما كان وما يكون … »(3).
واختلاف التأويلات والتفسيرات المؤكدة للمعنى الراقي والجمال في الآية الواصفة للقرآن بأنه عزيز كله حق من الحق عز وجل، «وأنى للباطل أن يدخل على هذا الكتاب، وهو صادر من الله الحق، يصدع بالحق، ويتصل بالحق الذي تقوم عليه السماوات والأرض؟ وأنى يأتيه الباطل وهو عزيز، محفوظ بأمر الله الذي تكفل بحفظه فقال: ژ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ژ(4).
وهذا التعبير الاستعاري تظهر فيه القوة البلاغية التي شخصت القرآن
(1) -سورة فصلت، الآيتان 41، 42.
(2) -الزمخشري، الكشاف، ج3، ص455.
(3) -الشريف الرضي، تلخيص البيان، ص 272.
(4) -سورة الحجر، الآية 9.