مجلة الحياة، العدد 16 مجلة الحياة

09 دوادي- الاستعارة القرآنية أثرها النفسي

الجزء ١٠ · صفحة ١٤٢

وجسمته وجعلت له أماما وخلفا (من قبل ومن بعد) وليس هنا موضع الإعجاز والجمال فقط وإنما الجمال المقصود والذي لم ندرك منه إلا شعاعا نهتدي به من نور ساطع متوهج هو هذه القدرة الإلهية الخارقة المبدعة التي جعلت القرآن عزيزا منيعا ناطقا بالحق صادعا به إلى يوم الدين.

ولنتدبر القول القرآني الموالي وقد دعانا الله إلى أن نتدبر القرآن بقوله:ژ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ژ(1)، وقد شبه الله القلوب غير المدركة لمعاني القرآن ولا المتعمقة في أسراره والداعية إلى التوحيد بالأبواب المقفلة فهي كالجماد وإنما ژ ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ژ(2).

«و"أم" في الآية بمعنى "بل" وهو انتقال من توبيخهم على عدم التدبر إلى توبيخهم على ظلمة القلوب وقسوتها حتى لا تقبل التفكير والتدبر، والمعنى: بل قلوبهم قاسية مظلمة كأنها مكبلة بالأقفال الحديدية لا ينفذ إليها نور ولا إيمان»(3)، وقال الرازي: «إن القلب خلق للمعرفة فإذا لم تكن فيه المعرفة فكأنه غير موجود، وهذا كما يقول القائل في الإنسان المؤذي: هذا ليس بإنسان هذا وحش، وهذا ليس بقلب هذا حجر»(4).

ويبين محمد الطاهر بن عاشور معنى الآية وما تضمنته من تعبير بياني بقوله: «والتدبر: التفهم في دبر الأمر، أي ما يخفى منه وهو مشتق من دبر الشيء أي خلفه والأقفال: جمع قفل وهو استعارة مكنية إذ شبهت القلوب، أي العقول في عدم إدراكها المعاني بالأبواب أو الصناديق المغلقة، والأقفال تخييل كالأظفار للمنية في قول أبي ذؤيب الهذلي:

وإذا المنية أنشبت أظفارها … ألفيت كل تميمة لا تنفع(5)

والمعنى: بل بعض القلوب عليها أقفال وهذا من التعريض بأن قلوبهم من هذا النوع لأن إثبات هذا النوع من القلوب في أثناء التعجيب من عدم تدبر هؤلاء القرآن يدل بدلالة الالتزام أن قلوب هؤلاء من هذا النوع من القلوب ذوات الأقفال … »(6).

ورأي الشريف الرضي أن الآية استعارة والمراد منها هو أن قلوبهم كالأبواب المقفلة لا تنفتح لوعظ واعظ ولا يلج فيها عذل عاذل وفي لغة العرب أن يقول

(1) -سورة محمد، الآية 24.

(2) -سورة الحج، الآية 32.

(3) -الصابوني، صفوة التفاسير، ص 212

(4) -الرازي، التفسير الكبير، الصابوني، صفوة التفاسير، ص 212.

(5) -ديوان أبي ذؤيب الهذلي، الدار القومية للطباعة والنشر، القاهرة، 1965، ص3.

(6) -محمد الطاهر بن عاشور، تفسير التحرير والتنوير الجزآن 25، 26، ص113، 114.

١٣١ / ٣٠٤