مجلة الحياة، العدد 16 مجلة الحياة

10 لقدي- شوقي وحافظ في ميزان الرافعي

الجزء ١١ · صفحة ١٤٨

ورغم ما اتفق لشارعنا من مزايا، فقد أعوزه اللجوء إلى رقة المعاني وروح الخيال، ولم يتناول الأغراض بالتحليل والتركيب، وبالتالي قصر كل ذلك في توليد المعاني المبتكرة، فنزل به ضعفا في الغزل والوصف، ولكنه اتفق له في الرثاء والشكوى ووصف الفجيعة.

وفي الحقيقة لم يكن ذلك إلا لأنه عايش الحدث حسا ومعنى، روحا وجسدا فبدهي أن تتحرك فيه تلك الإحساسات، وتتولد من أعماق قلبه تلك الآهات، وتنقذف من سويداء فؤاده تلك العبارات التي تدل على عميق الأثر والتأثر، وجدية الابتكار الحقيقي لا المصطنع، وقد قيل: ليست النائحة كالثكلى … !؟.

لقد اصطلح (الرافعي) ــــ رحمه الله ــــ على هذه الثغرة التي ميزت شعر حافظ ما يسمه بـ"الفلسفة الشعرية" وقد عرفها بقوله: "الفلسفة الشعرية كلها أن يحل في الشاعر الملهم ذلك الشر الجميل الجاذب والمنجذب معا، المستقر والمتحول جميعا، الباطن و الظاهر في وقت .. "(1).

ومع هذا كله فـ (حافظ) حافظ، لا ينقص ذلك من قدره شيئا، وان نقص فان البدر جميل في تمامه ولكن جماله باق حيث كان في بدايته هلالا. ولربما بلغ الهلال من قلوب البعض ما لايبلغه البدر إذا صار مكتملا.

لقد كان حافظ في بديعه وصناعته على مذهب مسلم بن الوليد، هكذا جعله (الرافعي) وقال أيضا: "وهو مثله إبطاءً في عمل الشعر، وتلوماً على حَوْكه، وانفراداً بكل لفظة منه، وتقليباً للنظر فيما بين الكلمة والكلمة، واعتبارَ كل بيت كالعروس لها معْرض وحلية وزينة"(2).

تميز (حافظ) بقوة حافظته أيضا حيث اتفق له في عهدة وفي أول شعره أن طبعت "لزوميات" (المعري أبي العلاء) في مصر، فتناولها (حافظ) واستظهر أكثرها، فكانت باعث ميله ونزعته إلى "الشعر الاجتماعي"، وفتن مرة أخرى بما قرأ من شعر (الباروري)، فأصبح من يومئذ تلميذه، وسار على نهجه في قوة اللفظ، وجزالة السبك، ومتانة الصنعة، وجودة التأليف على نغم الألفاظ وأجراس الحروف، ولكنه كما يقول (الرافعي): "لم يدرك شأو الباروري في ذلك؛ لأن هذا – يعني الباروري – جمع من دواوين الشعراء وكتب الأدب مالم يتفق لغيره في عصره، وأدخل في شعره أحسن ما صنعت الدنيا في ألف سنة من تاريخ البلاغة العربية"(3).

(1) السابق 3/ 280.

(2) السابق 3/ 277.

(3) السابق 3/ 275.

١٣٨ / ٣٠٤