مجلة الحياة، العدد 16 مجلة الحياة

10 لقدي- شوقي وحافظ في ميزان الرافعي

الجزء ١١ · صفحة ١٤٩

ويخلص الأستاذ (الرافعي)، بعد دراسة حثيثة، وتعمق بالغ، ومعالجة دقيقة في النقد إلى القول بأن شعراء مصر ليسوا على نسق واحد من فن الشعر أخذاً وعطاءً، تذوقاً واستلهاماً، ثم جمع القول في ثلاثة منهم، حينما قال: "ما سمعت في الإنشاد أعرب عربيةً من الباروري، ولا أعذب عذوبةً من الكاظمي(1)، ولا أفخم فخامةً من حافظ. رحمهم الله جميعا"(2).

ففخامة شعر (حافظ) تلك قد سمت به مرات عديدة، حتى بلغت منه أن جارى بعض الفحول، بل فاقهم في جانب من الجوانب، وقد علل لذلك الأستاذ (الرافعي) بما لايدع مجالا للريبة، وبما يجلّي كثيرا من الاستفهامات الإنكارية.

فدونك بيتا (أبي العلاء المعرّي)، وأنت خبير من يكون أبو العلاء؟ فقد قال:

ولولا قولُك الخلاَّق ربِّي … لكان لنا بطلعتِكَ افتِتَانُ

ويقول أيضا:

أسهبَ في وصفِهِ علاك لَنَا … حتى خشينا النفوسَ تعبُدُها

وقال (الرافعي) ــــ رحمه الله ــــ بعدهما(3): "وهذان البيتان تراهما صعلوكين إذا قستهما بقول حافظ في رثاء الشيخ (محمد عبده):

فلا تنصبوا للناس تمثال (عَبْدُه) وإن كان ذكرى حكمة وثباتِ

فإني لأخشَى أن يَضِلُّوا فيومئُوا إلى نور هذا الوجه بالسَّجَداتِ

ويقول (المعري) في رثاء أبيه:

ولو حفروا في درَّة ما رضيتُها لجسمك إبقاءً عليك من الدفْن

ويقول في رثاء غيره:

واخبُواه الأكفان من ورق المصـ حف كبراً عن أنفس الأبرارِ

ويقول (الرافعي) بعدهما: "وهذان أيضا كالصعاليك عند قول (حافظ) في (البارودي):

لو أنصفوا أودَعوه جوف لؤلؤة من كنز حكمته لا جوفَ أُخدُودِ

وكفَّنوه بدَرْج من صحيفته أو واضحٍ من قميصِ الصبح مَقْدُودِ

مع أن (حافظا) أَلَمَّ بقول (المعرّي) وزاد عليه"(4).

ويضيف (الرافعي): "ومن بديع ما اتفق عليه في قصيدة (الأمَّتان تتصافحان) قوله يصف السوريين:

رادوا المناهلَ في الدنيا ولو وجدوا إلى المجرَّّة ركْبا صاعداً ركبُوا

أو قيل في الشَّمسِ للرَّاجين مُنتجَعٌ مَدُّوا لها سببًا في الجوِّ وانتدَبوا

فاقرأ هذين، واقرأ بعدها قول (المتنبي) في (سيف الدولة):

وصول إلى المُسْتَصْعَبَات بخيله ولو كان قرب الشمس ماءً لأوردا

فإنك تجد بيت (المتنبي) صعلوكًا على بيتي (حافظ)، مع أنه المبتدع السابق".(5)

وقال (حافظ إبراهيم) في قصيدة يخاطب بها الأمريكان:

وَتَخذْتُم موجَ الأثير بريدا حين خلتم أنَّ البروق كُسالى

فقال (الرافعي) معجبا بالبيت، وخاصة قوة الاستعارة في قوله: البر وق كسالى؛ "فإن الجمال الشعري في البيت إنما هو استعارة الكسل للبروق، وهذا بعينه من قول (ابن نُباتة السَّعْدي) في (سيف الدولة):

وما تمهَّل يوما في ندًى وردًى إلا قضيتُ للَمْح البرق بالكسل

غير أن (حافظ إبراهيم) نقل المعنى إلى حقه، ومكن له أحسن تمكين في صدر كلامه، وأتمّ جماله في قوله:"حين خلتم"، فاقتطع المعنى وانفرد به، وعاد معنى (السعدي) كالصعلوك على باب بيته "(6).

وما تراه سقناه من شعر (حافظ)، إنما كان في الشطر الثاني من حياته الأدبية بعد أن استفحل وتخرج من مدرسة الإمام، أما في بدايته فان له صعاليك ــــ وضحها

(1) الكاظمي (1282 - 1354 هـ = 1865 - 1935 م): هو عبد المحسن بن محمد بن علي الكاظمي، أبو المكارم: شاعر فحل، كان يلقب بشاعر العرب. ولد في محلة " الدهانة " ببغداد، ونشأ في الكاظمية، فنسب إليها، وتوفي بالقاهرة. جمع أكثر ما حفظ من شعره في " ديوان الكاظمي ". ينظر: الأعلام 4/ 152، معجم المؤلفين 6/ 173.

(2) وحي القلم 3/ 292.

(3) السابق 3/ 280.

(4) السابق 3/ 281.

(5) السابق 3/ 281.

(6) السابق 3/ 281.

١٣٩ / ٣٠٤