مجلة الحياة، العدد 16 مجلة الحياة

10 لقدي- شوقي وحافظ في ميزان الرافعي

الجزء ١١ · صفحة ١٥٤

بموهبة شوقي في التوليد، فإنه أخذ البيت الثاني من قول أبي تمام:

أتيتُ فؤادها أشكو إليه فلم أخلُص إليه من الزِّحامِ

فمرَّ المعنى في ذهن شوقي كما يمرُّ الهواء في روضه، وجاء نسيما يترقرق بعدما كان كالريح السافية بترابها، لأن الزحام في بيت أبي تمام حقيق بسوق قائمة للبيع والشراء، لا بقلب امرأة يحبها، بل هو جعل قلب المرأة شيئا غريبا كأنه ليس عضوا في جسمها، بل غرفة في بيتها … وقد سبق شاعرنا أبا تمام بمراحل في إبداعه وذوقه ورقته. والبيت الرابع من قول (الشاعر الظريف):

قفْ واستمع سيرة الصبّ الذي قتلوا … فمات في حُبِّهم لم يَبلُغِ الغَرَضَا

رأى فحبَّ فسَامََ الوَصْلَ فامتَنعُوا … فرَامَ صبرًا فأعيَا نَيله فقَضَى(1)

ومن معاني (شوقي) السائرة:

لك نصحي وما عليك جدالي آفة النصح أن يكون جدالا

وقد تكرر منه هذا البيت في قصيدة أخرى ــــ وهو من عيوب شوقي الشعرية ــــ حيث قال:

آفة النصح أن يكون جدالا … وأذى النصح أن يكون جهارا

قال الرافعي ــــ رحمه الله ــــ في البيتين الآخرين: "البيتان من شعر صباه أيضا، وهما من قول ابن الرومي:

وفي النصح خيرٌ من نصيح موادع … ولا خير فيه من نصيح مواثب

فصحَّح شوقي المعنى وأبدل المواثبة بالجدال، وذلك هو الذي عجز عنه ابن الرومي."(2)

ومما اتفق لشوقي في الغزل أبيات حوت الجمال، وغردت تغريدا، قوله يصف محبوبته:

حَوَتِ الجَمَالَ فلو ذهبتَ تَزيدُها في الوهمِ حُسْناً ما استَطَعْتَ مَزِيدَا

قال الرافعي في هذا البيت: "وهذا البيت أيضا مأخوذ من قول القائل:

ذاتُ حُسنٍ لو استَزَادَتْ من الحُسْـ ـــــــــنِ إلَيهَا لما أصَابَتْ مَزِيدًا

غير أن شوقي قال: "لو ذهبت تزيدها في الوهم … "، والشاعر قال: لو استزادت هي، فلو خلا بيت شوقي من كلمة "في الوهم" لما كان شيئا، ولكن هذه الكلمة حققت فيه المعنى الذي تقوم عليه كل فلسفة الجمال، فإن جمال الحبيب ليس شيئا إلا المعاني

(1) السابق 3/ 303 ــــ 304.

(2) السابق 3/ 304.

١٤٣ / ٣٠٤