02 بوحجام - البناء الحضاري للفرد
الجزء ٣ · صفحة ١٩بل هي من بين ما تتضمّنه الغاية من وجوده .. ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ (هود/ 61) واستثمار الزّمن استثمارًا حسنًا يقضي على البطالة وعلى الكسل والتّسويف وتضييع الفرص، وإهدار الطّاقات …
بتوفير هذا الثّالوث، وحسن التّعامل معه تتحدّد الأهداف، وتتّضح الرّؤى، وتتعمّق النّظرات، وتصنع الأفكار، وتولد المشروعات، وترشّد الطّاقات، وتبرز المخطّطات، وتتسارع الخطى في العمل، وتبتكر الوسائل، التي تتناسب مع طبيعة الفعل، وتتناغم مع المستجدّات …
2 - العمل الذي يفرزه الاعتناء بأركان الحضارة الثّلاثة تنظّمه وتنتظمه منظومة فكرية عميقة وواضحة. بل تسبقه في التّنظير والتّنظيم. هذه القاعدة المهمّة في البناء الحضاري، تضمن السّير الحسن في عمليّة الإعداد والتّهيئة. هي تنتظر -فقط-من يقوم بتوفير الإطار الذي يتحرّك فيه من يقوم بهذا العمل في الميدان بقوّة وفعالية، وتبحث عمّن يوجد البيئة التي تعين على سيرورة المنهج المنظِّم للحياة العامّة، هذان المطلبان المكْسبَان يهديان إلى اختيار الوسائل الكفيلة بتحقيق الأهداف المسطّرة، ويسهمان في الثّبات على المبادئ التي تنتظم الجماعة ..
3 - هذه المنظومة الفكرية التي يعمل المنهج الصّحيح على تجسيدها في الواقع أو في الميدان، يجب أن تبنى على العلم الصّحيح وإلاّ باءت بالفشل، أو كان استثمارها سيّئًا. يقول فتح الله كولن: " يبدأ كلّ تقدّم بفكرة معيّنة وتصوّر معيّن، ثمّ ينمو قبول هذه الفكرة من قبل الجماهير، ثمّ تتحقّق بجهود الأفراد المتكاثفين معًا في هذا السّبيل. ولكن إن لم يكن للعلم نصيب في تخطيط هذه الفكرة، أو لم يسمح للعلم بذلك، فكلّ جهد وكلّ تعبئة عامّة لإنجاحها محكوم عليها بالفشل"(1).
يوضّح الشّيخ إبراهيم بيوض (1316– 1401ه/ 1899– 1981م) هذه القاعدة، ويبيّن ضرورة التّسلّح بالعلم لضمان السّير الحسن في سبيل التّقدّم والازدهار: " … فإنّي وجدت العلم هو الدّعامة الأولى للإسلام، والجهاد دعامة ثانية. وحاجة الجهاد إلى العلم أشدّ من حاجة العلم إلى الجهاد، ووجدت العلم الجناح الأيمن للإسلام، والجهاد الجناح الأيسر، وبهما طار إلى أعلى الذّرى. وقد كان النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - معلّمًا قبل أن يكون محاربًا. على أنّ العلم جهاد
(1) -محمّد فتح الله كولن، الموازين أو أضواء على الطّريق، ترجمة أورخان محمد علي، ط5، دار النّيل للطّباعة والنّشر، القاهرة، 1430ه/ 2009م، ص: 89.