02 بوحجام - البناء الحضاري للفرد
الجزء ٣ · صفحة ٢٠كلّ زمان وكلّ مكان، دون السّيف الذي له ظروف استثنائية خاصّة، يحكم العلم في تعيينها وتقدير ضرورتها … وما أظنّ بكم حاجة إلى بيان خطر العلم وقيمته في تشييد ركن الدّين، فإنّه من البدهيات، هذا في علم الدّين وما يخدمه من علوم اللّسان. وأمّا إذا نظرنا إلى علوم الطّبيعة والكيمياء والتّعدين وحرث الأرض والهندسة في مختلف أنواعها، وما إلى ذلك عند الأمم المتأهّلة بها، فإنّ الأمر أعظم من ذلك … "(1).
هذه القاعدة تهدي إلى الخطوات الآتية: تولد الفكرة ابتداء، ثمّ تتحوّل إنجازًا حضاريًا في الميدان: مؤسّسات ومشروعات ومتابعات، تنمو وتتطوّر وتتحسّن، وتتكيّف مع المستجدّات، من دون أن تمسّ الجوهر والكنه والأصل … تسير بوتيرة العمل الذي يسلك سبيل: فعل يسبقه فكر، وفكر يسنده فعل، في تناغم وتناسق وتفاعل …
4 - النّشاط وفق الفكرة السّابقة يتمّ بفلسفة التّكامل بين المؤسّسات والدّوائر التي تنضوي في مشروع المؤسّسة أو المنظومة، أو الجماعة، أو المجتمع … مع احترام كلّ دائرة لعملها، وعدم التّدخّل في صلاحيات الدّائرة الأخرى. بهذا تتوزّع الأعمال، وتتّضح المسؤوليات، وتظهر نجاعة العمل، وتبرز قوّة التّرابط بين الفئات التي تتحرّك وتعمل … وفي كلّ ذلك يكمن سرّ التّخصّص ومعنى احترام الجهد ويُضمَن منح فرص العمل لكلّ النّاس، وتتمّ المشاركة الجماعية المقنّنة المبرمجة ..
5 - العامل الضّامن للإفادة من القاعدة أنفة الذّكر يكون في حسن تنظيمها؛ بتوحيد المرجعية الفكرية ووضوحها، ووعي حقيقة صلاحياتها، ومعرفة حدودها، ودورها في التّخطيط والتّوجيه والمراقبة، وتحديد مجالات تدخّلها، ومعرفة الفضاءاتِ المسموحِ النّشاطُ فيها بذاتية، من دون الرّجوع إلى المرجعية. البتّ في هذه القاعدة والعمل وفقها ليس سهلا ولا بسيطًا. يُحتاج في ذلك إلى حنكة وحكمة وقوّة في النّظر، وحذق في التّوجيه، وبراعة في معرفة أساليب التّعامل مع المحيط ومن يتحرّكون فيه، وما يؤثّر فيه وعليه، من داخله وخارجه. المهمّ إنّ قوّة المرجعية سبب رئيس في النّجاح في العمل.
6 - هذه المرجعيّة الواضحة الثّابتة، هي أيضًا أحد مظاهر القوّة في عمل مَنْ ينشط في الأكاديميا (التّركية)، إذ تحدّد المسار، وتوضّح الرّؤى، وتوحّد الجهود، وتمنع
(1) -الشّيخ إبراهيم بن عمر بيّوض، فتاوى الإمام الشّيخ بيّوض ط2، مكتبة أبي الشّعثاء السّيب، سلطنة عمان، 1411هـ/ 1990م: 223.